قراءات في حصاد المراحل وتحديات الألفية الثالثة
بقلم/ عبدالله عبدالكريم الدعيس
نشر منذ: 16 سنة و شهر و 15 يوماً
الأربعاء 27 فبراير-شباط 2008 04:37 م

مأرب برس – خاص

ونحن نودع عام ونستقبل آخر بكل ما حفل به من أحداث على الساحة الوطنية ونستقبل عام جديد بكل ما نحمله من آمال وتطلعات وهموم ، نتساءل ماذا تحقق في العام المنصرم الذي ودعناه على درب مسيرة الوطن ، وباْستقراء سريع لأهم الأحداث التي عايشناها خلال العام المنصرم ، نتوقف عند أهم المحطات وأبرزها ما دار على الساحة السياسي ة على طريق الممارسة الديمقراطية، الذي نشق دروبه ويحدوا الركب فيه الأخ الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية ، والممارسة التي خاضها كل أبناء الوطن بأحزابه ومنظماته الجماهيرية شكلت نقله نوعية في تأريخ اليمن المعاصر توجت بفوزالأخ الرئيس، وزادها عمقا تزامنها مع انتخابات المجالس المحلية وكلاهما لبنات راسخة في صرح الممارسة الديمقراطية ويشكلان مكسباً وطنيا لكل أبناء الوطن سواً في السلطة أو المعارضة . 

فما دار من حراك سياسي عمق الوعي بحقوق المواطنة وحق المشاركة في السلطة من خلال ممارسة حق الترشيح والاختيار في مختلف الهيئات من المجالس المحلية إلى مجلس النواب إلى قمة هرم السلطة التنفيذية.

 إلا أن مسيرة الشعوب وتحقيق مكاسب سياسية و تنموية لاتأتي كحدث مستقل بذاته وإنماضمن سلسلة من الممارسات الهادفه للخروج من حاله ووضعية معينه ضمن منهج مخطط يتبعه نظامه السياسي القائم ، ويعتمد على مدى قدرته على تجاوز الصعوبات والظروف القائمة التي تشكل عائقاً للانتقال بالمجتمع من واقع الحال إلى مراحل أخرى ليواكب من خلالها التطور الذي وصلت إليه مجتمعات أخرى سبقته في مضمار التطور والنمو لكسب المزيد من الحقوق والحريات الفردية والجماعية ،

 فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة ؟ ما هو الشوط الذي قطعناه على طريق تحقيق النهضة التنموية الشاملة وبناء النظام الجمهوري الديمقراطي ألتعددي ؟؟ ما هي النجاحات التي تحققت والعوامل التي أدت إليها ؟؟ والظروف التي أحاطت بمراحلها والإخفاقات التي حالت دون تحقيق أهداف وغايات مرسومة ولا زال تحقيقها شرطا ً لبلوغ هذه الغايات والأهداف؟ وما هي الصعوبات التي حالت دون تحقيقها ؟؟ أسئلة تمثل عناوين لمحطات بارزة على درب بناء الوطن والإنسان، والإجابة عليها بحاجة إلى كثير من الجهد من قبل المهتمين من مثقفين ومفكرين وسياسيين واقتصاديين وباحثين، لمعرفة استحقاقات المرحلة الراهنة التي نخوض غمارها.

فقد كانت الأحوال السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تمر بها اليمن قبل الثورة متدنيه الى حد كبير مما أقعد البلاد عن مواكبة التطور الحضاري والإنساني، فنجد أن معدلات النمو القومي كانت متدنية إلى حد كبير بسبب ضعف القواعد الإنتاجية لإتباعها أساليب إنتاجية بدائية في مختلف القطاعات الإقتصادية ، وكان للطبيعة الجغرافية للأرض اليمنية تأثيراً كبيراً على التجمعات السكانية ، حيث ساهمت في تشتيتهم وتناثرهم في معازيب وقرى صغيرة الحجم في أنحاء متفرقة من الأرض اليمنية بأستثناء بعض المدن الرئيسية مثل صنعاء وعدن والحديدة والمكلاء وتعز ، أما بقية المدن فقد كانت عبارة عن قرى كبيره حيث بلغت نسبة الحضر الى اجمالي السكان حوالي 4 ، 11% فقط بنا على تعداد عام 1975 م وزادت الى 19 % في عام 1985 وهي نسبة متدنية بالمقارنة بالكثير من دول العالم الثالث ،

وباستقراء سريع لبداية السير نحو تغيير هذا الواقع منذُ مطلع الستينات في المحافظات الشمالية ونهايتها عند نيل الاستقلال في محافظاتة الجنوبية ، يمكن القول أن البدايات الأولى لتجاوز هذا الواقع المر قد بدأ مع نجاح الثورة وثبات النظام الجمهوري في صنعاء والنظام الاشتراكي القومي في عدن ،

( الحقبتين الأولـى والثانية من منتصف الستينات وحتى منتصف الثمانينات )

على الصعيد السياسي في مختلف ربوع الوطن اليمني : - 

فأثناء فترة تولي الرئيس عبد الله السلال خلال الفترة من 27/9/1962 وحتى 30/10/67م ( مرحلة الوهج الثوري ) وما واجهته من هجمة مضادة لإجهاض الثورة وزاد الأمور تعقيد التركيبة القبلية للمجتمع اليمني ، وكان طبيعياً أن تشهد المرحلة تقلبات سياسية وتحالفات متضاربة أحياناً ومتناقضة في أحياناً أخرى، نتيجة طبيعية المؤثرات الداخلية والإقليمية والدولية التي انعكست في أحد وجوهها على التغييرات المتلاحقة والسريعة على تشكيل الحكومات التي تولت قيادة السلطة التنفيذية فخلال فترة الخمس سنوات من حكم الرئيس السلال تم تشكيل إحدى عشرة حكومة ،أي بمعدل حكومة في كل ستة أشهر ، وفي الوقت الذي لا زالت فيه الثورة تدافع عن بقائها في المحافظات الشمالية تلاحمت مع النضال الدائر في المحافظات الجنوبية لإخراج المحتل ، وفي ظل هذه الظروف الصعبة في كافة ربوع الوطن اليمني حدثت نكسة 67 التي شكلت ضربة قوية للنظام القومي العربي بقيادة مصر وما شكلته من إسناد للثورة مما أدى إلى بداية تراجع التيار القومي عن إحدى ساحات المواجهة للتحرر من الاستعمار والقضاء على الأنظمة الملكية المتخلفة وما عكسته هذه الظروف على الواقع السياسي اليمني ، فـي وقت كانت فيه الثورة فـي أمس الحاجة لهذا ( الدعم ) الثوري ، كما أدى هذا إلى حدوث خلافات وإنشقاقات قادت إلى الاقتتال بين قادة الثورة في شمال الوطن وانتهت بإقصاء الرئيس السلال عن السلطة وتولي القاضي عبد الرحمن الإرياني رئاسة المجلس الجمهوري وتزامن ذلك مع تغير في التحالفات ، وفتح صفحة الحوار مع القوى التي حاربت ضد النظام الثوري والقومي مع فلول الملكية ، وأفضى الحوار الى التوصل إلى اتفاق تم بموجبه عودة فئة ممن رفضوا النظام الجمهوري مطالبين بإقامة دولة إسلامية ( مسمى جديد للحكم الملكي ) ، وبالفعل تم مشاركتهم في الحكم ، وما نجم عن ذلك في مراحل لاحقة ، وبالتالي كان عدم الاستقرار السياسي في فترة تولي القاضي عبد الرحمن الإرياني بحكم تقلب التحالفات السياسية المصبوغة بالطابع القبلي من جهة وبالتيارات السياسية السائدة في المنطقة وفي طليعتها الفكر القومي والأشتراكي والنظرية الرأسمالية و ما أحدثتة تلك التيارات السياسية من استقطاب للأنظمة الثورية الوليدة في المنطقة والخارجة من عباءة السيطرة الاستعمارية أو تسلط الحكم الملكي ، واتضح ذلك في النظامين اللذين توليا قيادة النظام في صنعاء حيث قاد السلطة التنفيذية مجلس جمهورية ( ائتلاف سياسي ) وفي عدن انتهجت الجبهة القومية النضام الرئاسي وتم تعيين قحطان الشعبي أول رئيس للجمهورية ، وشكل حكومة برئاسته وتتابعة التغيرات الى أن تشكل الحزب الاشتراكي فيما بعد ،

 وكان طبيعيا نتيجه للظروف السائدة في المحافظات الشمالية أن تتسم المرحلة بالتغيرات السياسية التي انعكست على سرعة تغير تشكيل الحكومات ، حيث تشكلت إحدى عشرة حكومة أيضاً أي بمعدل حكومة في كل ثمانية أشهر تقريباً وأدى استمرا الاضطرابات السياسية إلى خروج القاضي عبدا لرحمن الإرياني في انقلاب أبيض قاده الجيش وتولي الرئيس إبراهيم الحمدي رئاسة مجلس القيادة في 11/10/1977 م ، وعلق العمل بالدستور ولم يمضى الحمدي سوى عامين وبضعة أشهر وأطيح به في 11/10/77 وأوصل ذلك البلاد إلى مرحلة أشد تعقيداً وتأزماً ، وتبعه بتولي رئاسة الرئيس أحمــد الغشمـــي الذي لم يكمل عاماً في السلــطــــة ( من 11/10/77 إلى 24/6/78 ) وتم اغتياله و زإددة الأمور سواً عمى هي عليه بإتهام بعض قادة النظام في المحافظات الجنوبية بتدبير عملية إغتياله .

وخلال هذه الفترة من قيام الثورة وحتى السنوات الأخيرة لعقد السبعينات . شهدت المحاولات الأولى الخجولة على طريق المشاركة الشعبية في الحكم وإدارة عجلة التنموية ، وذلك بما ينسجم والظروف التي كان يمر بها النظام السياسي القائم ، فعلـــى الرغـــم من أن تشكيل الأحزاب ظــــل طوال هــــذه الفترة محرم قانونـــاً ، إلا أنه تم تشكيل أول مجلس وطني بالتعيين عام 1965 م ثم تم تشكيل المجلس الوطني الذي تولى صياغة الدستور الدائم للبلادعام 1969 م وتبعه إنتخاب مجلس الشورى عام 1970 م ( بالانتخاب غير المباشر ) حيث انتخبت كل عزلة في المديرية شخص ممثلاً عنها ، وإجتمع ممثلي العزل في المديرية وإنتخبوا من بينهم عضو عن المديرية في المجلس الوطني إلى أن المجلس علقت أعماله بعد تنحية القاضي الإرياني وتولي الحمدي ، السلطة على رأس مجلس القيادة ثم تم تشكيل مجلس الشعب التأسيسي بالتعيين وبصلاحيات جديده و كان عدد أعضائة مائة شخصية تقريباً ، وهذا قام بإنتخاب الأخ الرئيس علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية ، وفي أثناء هذه الفترة تم انتخاب هيئات التعاون الأهلــــــي ( بسلطات تقارب الاختصاصات الممنوحة للمجالس المحلية ) بهدف خلق المشاركة الشعبية في عملية التنمية وخلال الفترة نفسها انتخبت إلى جانب هذه الهيئات ، هيئات التصحيح بهدف معالجة الاختلالات الإدارية في تنفيذ خطط التنمية ومعالجة الفساد. ورغم هذه البدايات الأولى الخجولة فقد ظلت الحزبية محرمة قانوناً وإن كانت موجودة فهي تعمل في السر . وشاركت بطريقة أو بأخرى في تقاسم السلطة.

أما في المحافظات الجنوبية

فلم يختلف الوضع عما كان عليه في المحافظات الشمالية خلال هذه الفترة وإن اختلفت النظريات التي انتهجها النظام السياسي ، فقد تفجر الصراع بين قيادات الكفاح المسلح قبل رحيل الاستعمار وإعلان الاستقلال بحكم الاستقطاب الإقليمي والدولي الذي أثر في النظريات السياسية التي إتبعتها قيادات الكفاح المسلح ضد الاستعمار ، وغذاءها الاحتلال لشق الصف بين المناضلين ثم تحولت الخلافات إلى صراع مسلح بين الأشقاء في شهر يوليو 67م وتجددت فـي نوفمبر 67 قبيل إعلان الاستقلال . وظلت عوامل الخلافات الإيديلوجية قائمة حتى قيام حركة 20 مارس 68 و 14مايو 68 ومن ثم حركة 22 يونيو 1969م ، إلى أن أطيح بالرئيس سالم ربيع عام 78 وإقصاء عبد الفتاح إسماعيل في إبريل عام 1979- حتى وصلت الأمور إلى تفجر الصراع في أحداث مفجعة في يناير 1986م ، وأطلـق البعض على دورات الاتفاق والخلاف والاقتتال بين الرفـــــاق ( بدوري الرفاق ) وكذلك كان الحال في المحافظات الجنوبية فقد ظلت الحزبية محرمة بداءً من شعار كل الشعب جبهة قومية أثناء تولي قحطان الشعبي إلى شعار (( لا صوت يعلو فوق صوت الحزب )) رغم تبدل التحالفات بين أطراف القوى السياسية التي قادت عملية النضال الثوري ضد الاستعمار ممثلة بالطرفين الأساسيين الجبهة القومية ومنظمة تحرير جنوب اليمن المحتل اللتان إندمجتا ، ثم ما لبثت الجبهة القومية أن أعلنت انسحابها من هذا الاندماج بعد المؤتمر الذي عُقد في الإسكندرية وتسلم الجبهة القومية للحكم ( وتتابعت مؤتمراتها إلى أن عُقد المؤتمر التوحيدي لفصائل التنظيم السياسي للجبهة وأعلن قيام التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية بعد حوار طويل ، إلا أن الخلافات بين قيادات الأجنحة في الجبهة ظلت قائمة الى أن وصلت تلك الخلافات إلى الإطاحة بالرئيس سالم ربيع علي ، على إثر إعلان نبأ اغتيال الرئيس الغشمي يوم 20 يونيو 78م واتهام سالم ربيع بتدبير حادث الاغتيال ، فما كان من القوى المناوئة له بقيادة عبد الفتاح إلا اقتناص الفرصة للإطاحة بسالم ربيع وأعوانه في 25 يونيو 78م بعد أن نشبت معارك بين الطرفين المتخاصمين ، وحسم الصراع لصالح الفريق المتشدد المتمسك بالاشتراكية العلمية بينما كان سالم ربيع يطرح ضرورة الأعتدال وعدم الاتكال الكامل على المعسكر الاشتراكي ، وتحسين العلاقات الخارجية مع دول الجوار وفي مقدمتها دول الخليج ، ومن هذا المنطلق زار سالم ربيع علي المملكة العربية السعودية وتم التوصل أثناء هذه الزيارة إلى شبه اتفاق على التزام خط معتدل ومتوازن مقابل الحصول على المساعدات الاقتصادية وكان قد سبق الزيارة صدور قرار أثناء مؤتمر الجبهة القومية قضى بالتعايش السلمي مع الدول الخليجية ، وكان هذا أحد الأسباب لتوجيه الاتهام لسالمين بالتراجع عن الخط الثوري من قبل الجناح المتشدد للإطاحة به فقد أتهم بالانحراف عن خط الاشتراكية العلمية والخروج على الشرعية الحزبية وباليسار الانتهازي ، وتولي عبد الفتاح إسماعيل السلطة وأثناء توليه تم تأسيس الحزب الاشتراكي من ( طراز جديد ) الذي عقد مؤتمره الأول في 11- 13 أكتوبر عام 78م .

أما على الصعيد الاقتصادي خلال الفترة نفسها يمكن القول : -

أن الحديث عن التنمية هو قضية العصر وعن مشاكل الحاضر وعن طموحات المستقبل فالتنمية ليست عملية تجريدية بحته ، وإنما هي عملية إنسانية خلاقة متجددة ومبدعة ،، ترتبط بالعقيدة والإنتماء والتراث والثقافة والفلسفة الأجتاعية والسياسية والمصالح الوطنية والقومية الآنية والمستقبلية ، 

وفي ضوء هذه المفاهيم فإن التنمية لم تعد تعني فقط التنمية الأقتصادية من خلال التركيز على الجوانب الأنتاجية ، أو التنمية من منظور إنساني من خلال التركيز على الحاجات الأساسية للأنسان ، أو التنمية من منظور سياسي من خلال التركيز على التكامل والتطور السياسي والديمقراطي ،

فالتنمية بمعناها الشامل تضم جوانب إقتصادية وإجتماعية وسياسية وثقافية ، إنها مزيج من هذه المفاهيم مجتمعة ، تتبلور في الأخير في مفهوم واحد متكامل هو التنمية الشــــــــــاملة ،

ولهذا كان إهتمام الدولة بالتنمية والتخطيط منذ الوهلة الأولى لقيام الثورة ( سبتمبر ، وأكتوبر ) رغم أنه كان لكل من النظامين القائمين في المحفظات الشمالية والجنوبية حينها فلسفته وأيديولوجيته ( كما سبق ذكره ) وأساليبه ووسائله في تجربة التنمية ، وسوف نحاول أن نشير إلى تلك التجربتين التي أتبعتا في نفس الفترة 

فالنظام في المحافظات الشمالية كان يوصف بأنه نظام محافظ ، بمعنى آخر بأنه نظام يميني حسب المصطلحات التي سادة في تلك الفترة ، ولكن في حقيقية الأمر كان النظام خليطاً مركباً من الثقافات والأيديولوجيات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في وعاء واحد ، وتحت مظلة الحكم الشمولي ، وحيث أن الإقتصاد يتبع السياسة فالصفات التي أطلقت على النظام السياسي تنطبق على النظام الأقتصادي ، فالأقتصاد لم يكن بالأقتصاد الرأسمالي ولم يكن بالأقتصاد الأشتراكي وإنما كان مزيجا من هذه الأنظمة ،

وقد كانت أولى محاولات التخطيط في عام 19963 م حين أنيطت مهمة التخطيط بوزارة الأقتصاد ، وقبل بدء تنفيذ الخطط التنموية تمت بعض المحاولات لإقامة النظام الإقتصادي على أسس علمية مدروسة وذلك من خلال إيجاد بعض الأطر المؤسسية لتساعد على بناء القاعدة الإقتصادية مثل ، المجلس الأعلى للتخطيط ، والبنك المركزي ، والمكتب المركزي للتنمية ، ويمكن القول أن عام 19973 م كان بداية الأنطلاق للدخول في مجال الأقتصاد المخطط ( في المحافظات الشمالية )

أما في المحافظات الجنوبية فقد قام النظام السياسي والأقتصادي ، كما أسلفنا على نظرية الفكر الأشتراكي ووفقاً لفلسفة الأشتراكية الماركسية ، على أساس الأقتصاد الموجه الذي يقضي بتملك الدولة لوسائل الإنتاج وأن يوجد قطاع عام رائد ، وكان الإهتمام بالتخطيط منذ الوهلة الأولى أيضاً لمعالجة مايعانيه الاقتصاد من سمات التخلف ً، فقد كان الأقتصاد القائم إقتصاد خدمات وتجارة محدودة سخر لخدمة مصالح القاعدة العسكرية البريطانية ، ولهذا تم إنشاء وزارة الاقتصاد والتجارة والتخطيط في أول تشكيل حكومي بعد الإستقلال وفي أغسطس 1968 م شكل المجلس الأعلى للتخطيط القومي برئاسة رئيس الجمهورية ، ووفقاً للسياسة المتبعة صدرت قوانين الإصلاح والتأميم ، ففي 20 مارس 68 أصدر قحطان الشعبي قانون الإصلاح الزراعي الأول ومن ضمن ما نص علية ( مصادرة آراضي ومنشآت ومواشي وآلات جميع السلاطين والمشايخ وأمراء وحكام العهد البائد وعائلاتهم وكل من طرد بحكم إرتباطة السابق بإستثناء الأوقاف الخاصة بالعائلات الفقيرة على أن لايزيد عن الحد الأعلى للملكية الذي تحدد ب ( 25 ) فدان من الأراضي المروية و ( 50 ) فدان من الأراضي ألبعليه والمراعي ، إلا أن هذا القانون لم يرضي أصحاب الأتجاه اليساري ، فبعد أن أطيح بقحطان الشعبي في حركة 22 مايو 1969 م وتم تشكيل مجلس الرئاسة بقيادة سالم ربيع علي وعضوية هيثم وعبدالفتاح إسماعيل والعولقي وعلي عنتر، إتخذ عدداً من الإجرائات وصدرت عددا من القوانين الإقتصادية تم بموجبها تأميم الشركات والمؤسسات التجارية والمالية والخدمات الأجنبية ، وحل محلها القطاع العام وتولى إدارة النشاط الإقتصادي ، كما صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني قي نوفمبر 1970 م والذي تم بموجبه قيام الإنتفاضة الفلاحيه وتأسيس مزارع الدولة والتعاونيات الزراعية ، ورفع شعار - الأرض لمن يزرعها -

الخطط الإقتصادية في تلك الفترة

نفذت عددا من الخطط الإقتصادية أثناء تلك الفترة نشير إليها حسب تسلسلها الزمني على النحو التالي : -

البرنامج الإنمائي الثلاثي

- في المحافظات الجنوبية للفترة من 71/72 – 73/1974 م

 - في المحافظات الشمالية للفترة من 73/ 74 - 75/1976 م

الخطة الخمسية الأولى

- المحافظات الجنوبية للفترة من 74 إلى – 1978 م

- المحافظات الشمالية 76 - 1980 م

الخطة الخمسية الثانية

- المحافظات الجنوبية للفترة من 81 إلى 1985 م

- المحافظات الشمالية 82 إلى 1986 م

الحطة الخمسية الثالثة

- في المحافظات الجنوبية للفترة من 86 إلى 1990 م

- في المحافظات الشمالية 87 - 1991 م

سمات الإقتصاد الوطني والمعوقات عند إعداد كل خطة

وهي سمات التخلف المشتركة مع الأقطار النامية الأخرى وهي،

1- إنخفاض مستوى الدخل الفردي وضعف القدرة على الإدخار والإستثمار

2- غلبة القطاع الزراعي في النشاط الإقتصادي

3- ظآلة مساهمة القطاع الصناعي وعدم وجود قاعدة صناعية

4- ضعف نسبة التكوين الرأسمالي من الناتج المحلي

5- ضعف العبئ الضريبي ، وضعف الإنتاجية

6- عدم القدرة على إستغلال وسائل الإنتاج الحديثة

7- إنتشار الأمية وقلة عدد المتعلمين

8- إرتفاع نسبة أعداد الأعمار الصغيرة دون سن العشرين

يضاف اليها سمات خاصة بالمجتمع اليمني ومنها : -

*عدم الأستقرار السياسي ، وحدوث الإضطرابات والحروب الأهلية

* خضوع الإقتصاد الزراعي للتقلبات المناخية ( الجفاف )

* الطبيعة القبلية للمجتمع اليمني ، بما تحمله من مفاهيم مساعدة ومعرقلة

* العزلة عن العالم على مدى حقب زمنية ، والإنفتاح

* ظاهرة مضغ القات وما يرتبط به عادات ، وما إرتبط بهذه المفاجئ

* التشتت الجغرافي - كما سبق وأن ذكرنا - ضعف البنية الهيكلية للتنظيمات والمؤسسات وندرة الكوادر المؤهلة،

وكان طبيعياً في ظل هذه الظروف أن تكون الرؤية العلمية للتنمية غــــــــير واضحة المعالم والأسس

وإزدادة الأمر تعقيداً مع زيادة معدل النمو السكاني وتعاظم الاحتياجات المتزايدة للضروريات والخدمات الأساسية، في ظل الإنخفاض الشديد في الإنتاج الزراعي نتيجة لأتباع الأساليب والأنماط التقليدية في الزراعة ، في ظل الإعتماد على مستلزمات الإستهلاك من الخارج

ولمواجهة هذه الحزم من سمات التخلف ومعوقات التنمية وتعاظم الإحتياجات الأساسية هدفت كــــــــــافة الخطط التنموية في عموم محافظات اليمن منذ بداية الأخذ بالتخطيط في الستينات إلى تحقيق ما يلي : -

• زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الدخل القومي

• تحسين المستوى المعيشي والتعليمي، والثقافي للمواطنين

• زيادة نصيب الفرد من الدخل القومي

• إعادة تركيب البنية المادية للإنتاج بما يؤمن من زيادة نسبة مساهمة القطاعات المختلفة

• محاولة إستغلال الثروات الطبيعية والتعدينية

• توفير الترابط بين القطاعات والنشاطات الأقتصادية

• بناء الهياكل الأساسية للإقتصاد ، كالطرقات والموانئ والكهرباء والمدارس 0000 الخ

• محاولة إيجاد التوازن في ميزان الدفوعات

• تعبئة الموارد البشؤرية وخلق فرص العمل للقضاء على البطالة

• بناء مؤسسات الدلة

• دعم وتشجيع مشاركة الرأسمال المحلي والأجنبي

وتجدر الإشارة هنا إلى أن خطط التنمية المتعاقبة في جميع محافظات اليمن الشمالية والجنوبية قد إعتمدة على التمويل الخارجي ، وبلغت في الخطة الخمسية الثانية للأعوام 81 – 1985 م ، 82 – 1986 م ما نسبته 53 % ، 52 % على التوالي من إجمالي التوظيفات الأستثمارية للخطة الخمسية الثانية

وإذا إستعرضنا مدى ما حققته هذه البرامج والخطط بدءً بالمحافظات الشمالية منذ البرنامج الإنمائي الثلاثي للأعوام 73/74 والخطة الخمسية الأولى للأعوام 76/77 إلى 80/81 والتي شكلتا البدايات الأولى للنهوض التنموي من خلال ما حققتاه من نتائج . فقد حقق النائج المحلي الإجمالي معدل نمو سنوي متوسط خلال الفترة من عام 70 وحتى عام 1982م بلغ حوالي 10% مقابل معدل نمو 3,8% فقط في المتوسط للبلدان الأقل نمواً وبلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الحقيقي للفرد في اليمن بنسبة 6,8% لنفس الفترة مقارنة مع نسبته 1,1 فقط لمجموع أقل البلدان نمواً .

وخلال الفترة نفسها حققت القطاعات الإنتاجية والخدمية نمواً عالياً للأعوام 69/70 إلى عام 1986م في قطاعات النقل والمواصلات حيث تضاعف إنتاجها في نفس الفترة إلى أكثر من 140 مرة في عام 86م عما كان عليه في عام 69في قطاعات الصناعات التحويلية كالكهرباء والماء والمؤسسات المالية والعقارية وخدمات الأعمال ، بالترتيب ، بمعنى أن قطاع الخدمات كان أكثر حظاً من القطاعات الإنتاجية حيث بلغ الناتج المحلي لمجموع قطاع الخدمات عام 86 أكثر من 38 ضعف عما كان عليه 69/70 بينما لم يتضاعف الناتج لمجموع القطاعات الإنتاجية خلال نفس الفترة إلا بمقدار22ضعف فقط ، ورغم ذلك كان لنمو القطاعات الخدمية آثار لدفع عملية التنمية إلا أن قطاعات كالتجارة والعقارات وخدمات الأعمال قد حصلت على نصيب الأسد ، ولكن بالمقابل تضاعف الاستهلاك العام بمقدار يزيد عن (52) ضعف خلال الفترة نفسها 79 حتى 1986 حيث تعاظم حجم الإنفاق الاستهلاكي حتى فاق الناتج القومي ، وما صاحبه من تدني مستوى الصادرات ، وما ولده ذلك من انعكاسات سلبية على الميزان التجاري بالإضافة إلى اختلال هيكل الاقتصاد الوطني ، وكان على الحكومة أن تواجه حزمة من المشكلات والكوارث الطبيعية منذ بداية الثمانينيات وتحديدا منذ عام 82 م حيث شهد شهر سبتمبر حدوث كارثة الزلزال المدمر ، وتبع ذلك الجفاف في عام 83 ، 84 م مما أدى الى هبوط الإنتاج الزراعي ، أما تحويلات المغتربين فقد بدأت في التراجع منذ مطلع الثمانينات ، وتفاقم العجز في ميزان الدولة ككل مما أدى الى إضعاف مستوى الأدى وتدهور معدلات النمو ،

ولمواجهة ذلك بدأت الحكومة منذ عام 83 بأتخاذ العديد من الأجرائات لمعالجة الموقف ، والحد من إختلال التوازن ، ومن تلك الأجرائات التي أتبعت ، رفع معدلات الجمارك ، وتحسين مستوى التحصيل الضريبي ورفع أسعار الخدمات العامة ، بالأظافة الى العديد من التدابير الأخرى التي شملت سياسات مالية ونقدية أكثر حماية ، وكان لتلك التدابير الفضل في تحجيم الواردات التي سجلت تناقصاً ملحوظاً منذ عام 83 م وتزايدت الصادرات حيث إنخفظت الوردات في عام 86 عنها في عام 82 بنسبة 18 % تقريباً وزادة الصادرات بنسبة 34 0 5 % وهو الأمر الذي إنعكس إيجاباً على الميزان التجاري ، عموما

يبدوا أن العامل الحاسم وراء معدل النمو المرتفع لكل من الصناعات الأستخراجية والتحويلية هو إكتشاف النفط عام 84 م وإقامة مصفاة التكرير حيث بدأتأثيرها على الناتج المحلي واضحا منذ عام 86 ثم الكهرباء والمياه الذي حققا معدل 196 %

أما في مجال التعليم يتضح من خلال المقارنة بين سنة الأساس 73 وعام 83 نجد أن التعليم شهد تطوراً كبيراً حيث زاد عدد المدارس بنسبة 518 % وزاد عدد الطلاب بنسبة 798 % أي بمتوسط سنوي مقداره (72000 ) إثنين وسبعين ألف طالب وطالبة ، فقد كان عدد الطلاب أقل من ( 94 ) ألف في عام 70 /71 ووصل العدد إلى حوالي ( 1349 ) مليون وثلاثمائة وتسعة واربعون ألف طالب وطالبة في العام الدراسي 87/ 88 م وزاد عدد المدارس بتموسط مستوى مقداره ( 3 0 397) مدرسة ، لكن من الملاحظ من خلال البيانات لإأعداد الطلاب في المراحل الدراسية هو الهوة بين طلاب المرحلة الابتدائية وطلاب المرحلتين الأعدادية والثانوية ، حيث تبلغ نسبة المرحلة الأعدادية من المرحلة الابتدائية 16 % ، ونسبة المرحلة الثانوية من المرحلة الإعدادية 28 % وهذا يدل على أن هناك نسبة تسرب عالية في التعليم الألزامي ، وهذا يمثل احد الإختلالات الكبيرة في نظام التعليم وخطط التنمية

أما في ما يتعلق بجهاز إدارة التنمية فقد تحول إلى جهاز إدارة حكومية ولم يتحقق الهدف الذي تكرر في كل الخطط بتوجيه مخرجات التعليم بحسب متطلبات التنمية ، وربما غاب هذا الهدف نهائياً

أما بالنسبة لفرص العمل التي أتاحتهاالخطة الخمسية الأولى والثانيةفأنها لم تتمكنا منخلق فرص عمل جديدة تتناسب مع النمو السكاني ، حيث أن نسبة المشتغلين لا يمثل سوى 1، 17 % من إجمالي السكان ، كما أن الإدارة الحكومية تحولت مراكز رعاية إجتماعية للبطالة المقنعة ، والتوظيف العشوائي

أما في المحـــــــافظات الجنوبية

إذا تابعنا استعراض بعض المؤشرات الدالة على نجاح أو إخفاق هذه الخطط نجد ، أن قطاع النقل والمواصلات قد إستحوذ على الأولوية عند توزيع التوظيفات الإستثمارية في كل المحافظات فقد بلغت نسبة المخصصات في المحافظات الجنوبية لقطاع النقل والمواصلات 37 % ، 35 % ، 20 % ، 9، 19 % على التوالي خلال سنوات الخطة الثلاثية والخطة الخمسية الأولى والثانية والثالثة ، أما الوضع التعليمي فقد كان في سنة الأساس 1970 م على النحو التالي عدد الطلاب في التعليم العام ( 813 ، 117 ) مائة وسبعة عشر ألف وثلاثمائة وثمانية عشر طالباً، وعدد المنشآت التعليمية في التعليم العام ( 739 ) منشأة وخلال سنوات الخطة زادة المنشآت التعليمية بمعدل 8 ، 13 مدرسة كل سنة وزاد عدد الطلاب بمعدل 751 ، 10 ) طالب سنوياً وبلغت نسبة الطلاب الى حجم السكان عام 70 م 3 ، 7 % ، ونسبة الطلاب الى حجم السكان في عام 1987 م 2 ، 13 % بموجب تعداد عام 88 م

أما بالنسبة لفرص العمل التي أتاحتها هذه الخطط في المحافظات الجنوبية فنتيجة للاتجاه الاشتراكي فقد تم توظيف عدد كبير من القوى العاملة في الجهاز الإداري للدولة ، ليس على أساس إقتصادي وإنما على أساس إجتماعي ، حيث إرتفع عدد العاملين في القطاع المخطط من ( 313 ، 80 ) عام 1977 م إلى ( 049 ، 348 ) مشتغلا عام 1988 م ، وبهذا الإستعراض المقتضب للأوضاع السياسية والإقتصادية في هذه المرحلة من مسيرة بناء الإنسان والوطن ، ويمكن للقارئ الكريم أن يستنتج بعض سمات المرحلة التي منها :

• عدم الاستقرار السياسي * تبدل التحالفات

• الصراع بين القوى السياسية الذي نجم عنه في أحيان كثيرة مواجهات مسلحة على الساحة الوطنية

• الأزمات المتلاحقة بين النظامين التي وصلت إلى الاقتتال في بداية السبعينات ونهايتها

• انعكاس الأوضاع الداخلية على السياسة الخارجية بما تحمله من أزمات

• أما على الجانب الاقتصادي يمكن القول أن الأوضاع الاقتصادية كانت أحسن حالاً عنها في الجانب السياسي فقد شهدت المرحلة الخطوات الأولى في عملية التنمية وتحققت نجاحات في بعض المراحل أعقبتها إخفاقات في مراحل لاحقة بالطبع نتيجة للتقلبات والاضطرابات السياسية .

وكانت هذه الظروف تزيد من تعاظم الوعي الوطني بضرورة عودة التلاحم الوطني وإنها التشطير رغم كل الخلافات على الساحة الوطنية ، فإن كل القوى قد عمقت هذا الشعور وناضلت من أجل تحقيق هذا الهدف الوطني الكبير، مسيرة التلاحم الوطني ، لم يستطع الاستعمار البريطاني أن ينال من هذا الوعي رغم ما مارسه من تقسيم في محافظات الجنوب إلى سلطنات ومشيخات ، ولم يفتك بعضده الحكم الأمامي المتسلط في المحافظات الشمالية ، فقد ظل أبناء الوطن يتعاملون ويتعاونون بينهم دون اعتراف بالحواجز المصطنعة والحدود الوهمية ، وكان طبيعياً أن تتفجر ثورة سبتمبر ويكون سندها وردفيها أبناء الوطن قاطبة حيث ظلت مدينة عدن – حتى في ظروف الإحلال – تحتطن الثوار وتحميهم من بطش الإمامة ، وكان من الطبيعي أيضا أن تشكل ثورة سبتمبر القاعدة والسند لقيام ثورة أكتوبر ، وكان من البديهيات إزالة الحواجز المصطنعة ، وتحقيق إعادة لحمة الوطن كهدف عظيم لدى كل أبناء الوطن وقياداته السياسية بمختلف أطيافها ،وما إن حمل الاستعمار عصاه على كاهله ورحل من عدن ، ورغم ما زرعه من عوامل الفرقة والخلاف ، وما إن استقرت دعائم النظام الجمهوري حتى بدأت أولى جولات الحوار بين القوى الوطنية لتحقيق الوحدة ، فكان إتفاق تعز في نوفمبر عام 1970 م ثم توالت اللقاءات رغم الظروف الصعبة داخلياً وإقليميا ، حتى تم الوصل إلى اتفاقية القاهرة في 28 أكتوبر عام 72 م ، ثم بيان طرابلس في 28 نوفمبر من نفس العام ، فلقاء القمة بين القيادتين في قعطبه في فبراير 1977 م والذي تم فيه الاتفاق على تشكيل مجلس مشترك يترأسه الرئيسين وعضوية وزراء الدفاع والتخطيط والاقتصاد والخارجية ، تمهيداً لقيام دولة الوحدة ،

إلى أن التطورات الدامية في المحافظات الشمالية والتي أودت بحياة الرئيس أحمد الغشمي على إثر عملية إنتحاريه ، وأتهم فيها قيادةة النظام في المحافظات الجنوبية أوجد توترات على الساحة الوطنية ازدادت تعقيد بالتوترات التي القائمة بين الأجنحة المتصارعة في المحافظات الجنوبية بين جناح سالم ربيع علي ، وجناح عبد الفتاح إسماعيل حتى وصلت الأزمة إلى المواجه المسلحة بين النظامين في عام 79 م ، وفي خضم هذه الأحداث الأليمة والمعقدة في ربوع الوطن اليمني ، قرر مجلس الشعب التأسيسي في صنعاء في 17 يوليو 1978 م انتخاب الأخ علي عبدا لله صالح رئيساً للجمهورية وقائداً عاما للقوات المسلحة ، وبعد سبعة أشهر فقط على نشوب المواجه الأولى وتحديدا في فبراير 79 نشبت مواجه ثانية ،

ورغم ذلك ظلت المساعي للعودة إلى الحوار والتفاهم لإنهاء الأزمات وقيام دولة الوحدة المباركة قائمة ، وكان للقيادة الجديدة التي تولت مقاليد السلطة رؤية صادقة في الخروج من دوامة الأزمات منطلقة من إيمانها العميق وقناعاتها الصادقة بإكمال مسيرة الوحدة المباركة ، وبالفعل أتت قمت الكويت في 30 مارس 79 م بين الأخ الرئيس علي عبدا لله صالح والأخ عبد الفتاح إسماعيل وتم فيها الاتفاق على الالتزام بكافة الاتفاقيات التي سبق التوصل إليها ، ومتابعة اللقاءات والمشاورات ، ومن هذا المنطلق أتت قمة صنعاء في 4 أكتوبر 79 م ، وتبعها لقاء قمة أخرى في يونيو 80 م ، وقمة تعز في 15 سبتمبر 81 م ، وقمة عدن في ديسمبر81 ، وللقاء ألتشاوري في تعز في مايو 82 ، وتتابعت اجتماعات المجلس اليمني الأعلى لمناقشة أهم القضايا التي توصلت إليها لجان الوحدة ، وكان للأحداث الأليمة التي اندلعت في الثالث عشر من يناير عام 86 م أثرها في الدفع قدماً بضرورة تحقيق الوحدة الوطنية ، وأتت الظروف الإقليمية لتواكب الاقتراب من تحقيق هذا الهدف بخروج العراق الشقيق منتصراً بعد حرب ضروس ليشكل قوى إقليمية بما يحمله نظامه القومي الوحدوي محاولاً التربع على عرش قيادة النظام العربي ، وتواكب ذلك مع تبدل الظروف الدولية بتفكك الإتحاد السوفيتي السابق وتبعة انفراط عقد المعسكر الاشتراكي وإنتهاء فترة الحرب الباردة وزعامة القطبية الثنائية للنظام الدولي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية ، بقيادة النظام العالمي الجديد ، وبتواصل جهود القيادتين وكل القوى السياسية في الساحة اليمنية وبتوافر هذه الظروف المحلية والإقليمية والدولية مجتمعة ، تم لقاء القمة في مدينة عدن وأعلن عن قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990 م ، وتحقق هذا الهدف الوطني الكبير الذي ناضل من أجله كل أبناء الشعب اليمني منهياً بذلك مرحلة التشطير الاستعماري والانغلاق الأمامي ، وكان أولى قطوف ثمار الوحدة المباركة الاندفاع نحو ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية والوثوب نحو بناء الدولة اليمنية الحديثة ، وبدأت حقبة جديدة من تأريخ اليمن الحديث منهية بذلك فترة الصراع بين الأشقاء ، فأعلن حرية قيام الأحزاب والمنظمات الجماهيرية ، وحرية الرأي والتعبير ، وتكاملت الموارد البشرية والطبيعية ، وتحقق لليمن ثقل ومكانه دوليه أكبر ، وكسبت ثقة كثير من الأشقاء والأصدقاء ، وفي المقابل كان على الجمهورية اليمنية أن تواجه أعباء وتراكمات مرحلة التشطير وإرثها المثقل بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فقد كان العام 90 العام الأخير في خطة التنمية في المحافظات الجنوبية ، وكان العام القادم 91 هو العام الأخير في خطة التنمية في المحافظات الشمالية ، ولظروف قيام دولة الوحدة تم إعادة دمج ميزانية المحافظات للنصف الثاني من عام 90 على أساس تغطية متطلبات النفقات الجارية بصورة أساسية ، ريثما يتم إعداد موازنة 91 م على أساس أن يواكبها برنامج استثماري ، ولكن نتيجة لانشغال بعض أطراف القوى السياسة المشاركة في الحكم بترتيب الأوضاع الذاتية لكل طرف فإن ذلك قد جعل الوحدة تنزلق في متاهات ودروب متشعبة محلية وإقليمية ، فاستمر تنفيذ البرامج السنوية في كل عام 91 ، 93 ( وأطلق على المرحلة مرحلة اللاتخطيط ) وما صاحبها من صراعات سياسية في الساحة الداخلية وتواكب معها متغيرات إقليمية بقيام حرب الخليج وما خلفته من أثار على أبناء الوطن المغتربين في الخليج وما تسبب عن ذلك من انخفاض عائدات المغتربين ، بما خلفته من أثار سلبية على العلاقات اليمنية الخليجية على وجه الخصوص وتزامن ذلك مع التوسع في الأنفاق المالي على المصروفات الجارية ، مما أدى إلى ارتفاع العجز في موارنة الدولة إلى درجة أن الدولة توقفت عن إصدار موازنات جديدة ابتداءً من عام 93وإشدة الأزمة السياسية الداخلية بمصاحبة جملة من هذه العوامل ، حتى اندلعت حرب تثبيت وترسيخ دعائم الوحدة في 4 مايو 1994 م

وكان لهذه الأحداث أثارها المدمرة على الاقتصاد الوطني حيث تشير بعض التقديرات إلى أن هذه الحرب قد كلفت الاقتصاد الوطني مابين ( 10 ) عشرة مليارات دولار إلى ( 11 ) إحدى عشر مليار دولار ، بحسب تقديرات جامعة الدول العربية ، وتصريحات الدكتور عبدا لكريم الارياني وزير التخطيط في حينها ، وتتوزع هذه التكلفة على النواحي العسكرية ( 3 ) ثلاثة مليارات دولار ، وتكلفة التعويضات للمواطنين ( 4 ) أربعة مليارات دولار ، وتكلفة عمليات السلب والنهب والتدمير في محافظة عدن ( 5، 3 ) ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار ، وألقت هذه الظروف بظلالها الكثيفة على الاقتصاد الوطني ، إلا أن الانتصار الوحدوي العظيم الذي تحقق للشعب اليمني بزعامة الأخ الرئيس علي عبداللة صالح وكل المناضلين والوحدويين الشرفاء الأوفياء للمبادئ ، بقى هو الأمل الأقوى لإعادة عجلة التنمية والبناء مهما بلغت التحديات .

بعد مرحلة ترسيخ مبادئ الوحدة المباركة ماذا تحقق على درب البناء والتنمية وبلوغ أهداف الألفية الثـــــــــــــــــالثة، ذلك ما سنحاول معرفته