آخر الاخبار

كيان العدو الصهيوني ينفجر غضباً.. السنوار يبعث برسالة الى كبار قادة حماس :لا تقلقوا لدينا الإسرائيليون حيث نريدهم زعيم وكلاء طهران فرع اليمن يستبدل صرف الرواتب بمفاجآت وأعمال غير متوقعة تفاصيل لقاء رئيس الوزراء مع السفراء العرب في روسيا الجيش الوطني يبدا بشق طريق جديد ويحدد مسارا موحدا للخط الصحراوي لتأمين المسافرين بعد رفض الحوثيين فتح الطرقات عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح يكشف تفاصيل مفاوضات السلام التي أجرتها المملكة العربية السعودية مع مليشيا الحوثي راتب الحوثي يفجر عاصفة من ردود الأفعال الساخطة والساخرة بصنعاء إنعقاد الاجتماع الاستراتيجي الأول لشبكة العرب لمكافحة الإفلات من العقاب المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية يفتح نقاشاته الدولية وجمهورية الصين الشعبية أول المحطات .. تفاصيل اللقاء أكاديميون بمأرب : المقاومة الشعبية الخيار المتبقي لليمنيين لاستعادة دولتهم وعلى الشعب استعادة زمام المبادرة في الدفاع عن خياراته وثوابته المبعوث الأممي لليمن يتعهد بمواصلة العمل للعودة الى مسار العملية السلمية والسفير فقيرة يجدد تمسك الشرعية بالمرجعيات الأساسية

مأساةٌ اسمها الغربة
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: 3 سنوات و شهرين و 15 يوماً
الإثنين 14 ديسمبر-كانون الأول 2020 07:51 م
 

قال الجاحظ في رسائله: «إذا أسنّ القرشي رحل إلى الحجاز، وما فكر فيلسوف قط إلا رأى الغربة أجمع لهمه وأجود لخواطره». وقال في موضع آخر: «قسّم الله تعالى المصالح بين المقام والظّعن، وبين الغربة وإلف الوطن، وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطّلب، وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب».

ولئن رأى البلغاء والفصحاء الاغتراب جمعًا للهم وصفاءً للفكر، وسعةً في الرزق، إلا أن الخبر ليس كالمعاينة، وليس الحديث عن فوائد الاغتراب كمعايشة آلامه ومشاقّه، فما من شيء أشد على نفس الإنسان من مفارقة الأوطان، ولقد حملت إلينا الآثار ذلك الوداع النبوي لمكة مسقط الرأس ومهد البدايات: (ما أطيبَكِ من بلَدٍ وأحبَّكِ إلَيَّ، ولولا أنَّ قومِي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ).

وعن هذا الحب الفطري للتراب قيل لأعرابيّ: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها؟ ولذا لا غبار على تسمية الغربة بالكربة، وابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد» يفيدنا بأن الغراب الذي تشاءمت منه العرب قد اشتق اسمه من الغربة، بينما يرى الصفدي وغيره أنهم اشتقوا منه الغربة والاغتراب، وفي الرأيين إقرار بنبذ الغربة عن الأوطان، خاصة إذا استتبعها فراق للأهل والخلّان والأولاد، فعندئذ تفحش آثار الغربة وتنال من روح المغترب، ولا نجد في عدول بدر شاكر السياب عن الهجرة إلى لبنان والبحث عن عمل، إلا انزعاجا من الغربة ووحشتها وحيلولتها دون تطويق فلذات الأكباد بجناحي العناية والكلاءة، فاستقر في بلده، رغم حصوله على راتب أقل، والسبب كما صرح هو في رسائله إلى أدونيس: «أن يترك الإنسان عملا ويمضي إلى بلد آخر ليبحث عن عمل فذلك ما تمنعني أبوتي ومسؤوليتي تجاه طفلي من القيام به». ما أكثر النائين عن الديار اضطرارا، يفرون من قتل مباشر إلى انتقاص الروح من أطرافها، ومن سجونٍ قضبانها الحديد إلى سجونٍ قضبانها الوحشة. ما أشد صرخة الوليد في المنفى، تولد معاناته، فبعد عقد من الزمن سوف يكون بلا وطن، فلا هو موصول بأرض المولد، ولا هو مُغرم بأرض الجذور. ربما تحوّل الرياح ترابَ أرض إلى أرض، لكنها لا تحمل معها رسائل المعذبين في أرض المنفى، يحسبهم الجاهل من أهل النعيم والسلامة، لكن الشاعر له رأي آخر:

إن الغريب ولو يكون ببلدة … يُجبى إليه خراجها لغريبُ

وأقل ما يلقى الغريب من الأذى … أن يستذل وأن يقال كذوب

وآخر يدرك حقيقة الاغتراب فيرثي أهله:

إن الغريب إذا ينادي موجعاً … عند الشدائد كان غير مجاب

فإذا نظرت إلى الغريب فكن له … مترحماً لتباعد الأحباب

حقيقة يدركها المستبدون: أن التشريد والنفي خارج الأوطان أنكى من أي عقاب، وقديما أطلق أسلافهم لأنبياء الله التهديد، إما التخلي عن الرسالة أو التخلي عن الأرض «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا». واليوم يسلك المستبدون المسلك ذاته، إما أن تُسبّحَ بحمدهم وتُطربَ أسماعهم بتراتيل النفاق، وإما أن ترحل في جنح الظلام، حتى لا تحجز لك مكانا وراء الشمس. كان لهم وطن، تثقل فيه أقدامهم عن التفكير في الاغتراب، وكم من مرة استجابوا فيها لنصيحة الجد الأشيب، في المقام على أرض الآباء ومسقط الرؤوس وأرض الذكريات، يُبغّض إليهم ترك الأوطان، وكأنك بعبد الله بن جعفر إذ كان ينهى معلم أولاده عن رواية أشعار عروة بن الورد، الذي كان كثير الاغتراب والارتكاض، ويعلل ذلك بقوله: «هي تدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم». لكنهم بين العشية وضحاها، أصبحوا غرباء، في انقطاع عن الوطن الأم، في انقطاع عن العائلة، في انقطاع حتى عن الأرض الجديدة، غربة في ألف غربة، نصيبهم مكابدة الواقع غير المألوف نهارا، ودمعة على وهج سراج الذكريات ليلا، والخوف كل الخوف على أهل وأبناء وأمٍّ قد احدودب ظهرها، تفصله عنهم المسافات، ويُساوم بهم حتى لا ينطق بكلمة حق من خارج الحدود، وما من قاموس أخلاقي هنالك يحتوي على مفردات النبل والمروءة والعدل وصون نساء الخصوم، ولم ترق أخلاق القوم إلى خلق العربي في جاهليته، الذي لقي إحدى المهاجرات المسلمات في وسط الصحراء القاحلة، فسيّر بعيرها وهي عدوته إلى حيث مأمنها.

أرض الغربة مجمع المعذبين في الأرض، الفارين بعقائدهم وأفكارهم ومبادئهم من القتل أو السجن، أو الفارين بإبداعاتهم التي كفر بها أقوامهم، أو الهاربين من تجويع ممنهج مارسه عليهم أهل الاستبداد سارقو خيرات الشعوب، تجمعهم آمال بالعودة إلى الديار، إلى التراب، إلى الجذور والأهل. وتجمعهم مخاوف النهاية، شبح الموت في الاغتراب، كلهم يخاف أن يموت منفيا، ويُفجع أهله في الموطن الأول، بخبرٍ يأتيهم عبر اتصال هاتفي، وإن حالفهم الحظ يتسلمون جثمانه في صندوق ويوارونه ثراهم، وإلا استكمل جثمانه رحلة الغربة، ورقد منزويا في بقعة نائية، يمر عليه الناس ويطالعون اسم ذلك الغريب المجهول. تبا لتلك الأنظمة المستبدة التي صنعت تلك المعاناة، بعد أن حولت البلاد إلى سجون عامة أودعتها أهلها المستحقين لكل خير فيها، واستدعت كل وسائل القمع التاريخية لاستعباد الجماهير، التي لم تجد بدًا من الاغتراب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.