ذبح الرضيع أم ذبح الحقيقة؟
بقلم/ د. محمد جميح
نشر منذ: 5 أشهر و 26 يوماً
السبت 28 أكتوبر-تشرين الأول 2023 07:56 م
 

في الوقت الذي كان فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي يقتل قرابة ألف طفل فلسطيني كانت شبكات تلفزيونية غربية كبرى مثل «سي إن إن» و«بي بي سي» تسهم في انتشار الأكاذيب الإسرائيلية، مثل تلك الكذبة المزرية عن ذبح مقاتلي المقاومة الفلسطينية لأطفال إسرائيليين رُضّع أثناء الهجوم على مستوطنات غلاف غزة.

نقلت تلك الوسائل الإعلامية عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قوله إنه «تأكد» من أن مقاتلي حماس قاموا «بقطع رؤوس الأطفال الرضع» فيما شبكة «سي إن إن» تنقل تصريحات الناطق باسم مكتب «أكذب رئيس حكومة في إسرائيل» حسب معلقين إسرائيليين، وتعيد تكرار الخبر بأصوات متهدجة للمذيعين والمراسلين، الذين نقلوا خبر «ما لا يقل عن 40 طفلاً رضيعاً فُصلت رؤوسهم عن أجسادهم، ونزعت أحشاؤهم» ليدخل الرئيس الأمريكي جو بايدن على الخط، حيث عبر عن صدمته لذبح «الإرهابيين» الأطفال، لأنه لم يكن يتصور «الإرهابيين وهم يقطعون رؤوس الأطفال» رغم أنه في الوقع لم ير أية صورة، وهو ما أكده لاحقاً البيت الأبيض، بالقول «إن أياً من المسؤولين لم ير صوراً» لهذه المذبحة المزعومة.

وزير الخارجية الأمريكي، «اليهودي» أنتوني بلينكن، في زيارته لإسرائيل ردد ما قاله الإعلام الإسرائيلي عن «ذبح الأطفال الرضع، وإحراق اليهود أحياء، وقتل الأبناء أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، بالإضافة إلى اغتصاب النساء» وهي الأكاذيب التي لم يعتذر عنها كبار المسؤولين الذين رددوها، رغم انكشاف أمرها. المهم، مذيعة ومراسلة «سي إن إن» سارة سيدنر كانت تسأل مراسلتهم في إسرائيل عن «ذبح الأطفال الرضّع» بصوت متهدج وهي تذيع خبر قطع رؤوسهم، لتتقمص المراسلة «المهنية جداً» دوراً سياسياً بالقول إنه «لا يمكن أن يكون هناك سلام مع حماس، إذ لا يمكن وجود سلام مع جماعة ترتكب هذه الفظاعة» التي «لم يشهد لها اليهود مثيلا منذ زمن الهولوكوست» على حد تعبيرها. يبدو أن سارة سيدنر، وهي أيضاً مراسلة تلفزيونية، تحمست للذهاب إلى المنطقة لمزيد من التغطيات، وقد بكت وهي تستقل طائرة الخطوط الجوية الفرنسية عندما سمعت الطاقم يغني أغنية عبرية تعاطفاً مع الضحايا الإسرائيليين، قبل أن ترى المحرقة الحقيقية التي يتعرض لها الغزّيون، لتقول فيما بعد إن «الجحيم لا تزال تمطر على غزة».

ثم ماذا؟ انكشفت الكذبة واختبأ الكثير ممن روج لها، واعتذرت قلة قليلة من مروجي هذه الفرية التي ابتكرها أحد قادة المستوطنين المتطرفين، والتي ظلت تنتشر رغم انكشاف زيفها، لأنه يسهل تقبل الأخبار الصادمة، حتى ولو كانت كاذبة، في حين يصعب تقبل نفيها المؤكد، إذ يحدث أحياناً أن تكون أكثر الأخبار انتشاراً هي تلك التي لا يمكن تصديقها، حيث يساعد الرعب الذي تثيره على سرعة تقبلها، في حين أنها تُختلق من أجل التبرير والتغطية على المجازر التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة، والتسويق لهذه الحرب على أساس أنها دفاع إسرائيلي عن النفس، وإظهار المجرم في ثوب الضحية، مع إبراز الضحية على صورة الجلاد، وتصدير صورة المحتل كمدافع عن النفس، وتصوير المقاومة على هيئة من يمارس العدوان.

ثم إنه، وبما أن حماس «منظمة إرهابية» وبما أن إسرائيل «ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط» فإنه يجوز الكذب لصالح «الديمقراطية» ضد «الإرهاب» الافتراء هنا عبارة عن «كذبة بيضاء» هدفها شريف، وهو دعم «الديمقراطية الإسرائيلية» ضد «الإرهاب الفلسطيني». وقبل أيام، وفي لقاء على «بي بي سي» القناة الرابعة كررت سفيرة إسرائيل لدى المملكة المتحدة تسيبي هوتوفلي كذبة إن حركة الجهاد الإسلامي هي من قصفت المستشفى المعمداني في غزة، وعندما تحداها مقدم البرنامج كريشنان غورو مورثي أن تثبت ذلك قالت إن لدى «الموساد» أدلة أطلع عليها الأمريكيون الذين شهدوا بذلك، على طريقة: «قال مين يشهد للعروسة؟ قال أمها». وعندما قال المذيع مورثي إن حماس والجهاد نفيا أن يكونا وراء تلك المذبحة، قالت السفيرة:

كيف تصدق حركات إرهابية، وتكذب الدولة الديمقراطية؟! على أساس أن تلك الديمقراطية لم تبتكر حكاية «ذبح أربعين رضيعاً إسرائيلياً» في هجوم يوم سبعة تشرين أول/أكتوبر الحالي، وهي الكذبة التي شاركت السفيرة هوتوفلي في الترويج لها. دعونا نرجع ل «سي إن إن» حيث انتشر فيديو، قبل أيام بشكل واسع النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي، سمع فيه صوت أحد مخرجي نشرات الأخبار على القناة «الرصينة» وهو يوجه أفراد فريق القناة الذي يغطي الحرب بأن يظهروا بمظهر المرعوب من صواريخ المقاومة، وتظهر المراسلة وهي تحاول القيام بالدور الدرامي، والمخرج يطلب منها المزيد من تقمص الدور، غير أنها كانت تكتم ضحكة ساخرة، وتسأل زملاءها: شباب، هل ترون حالتنا أو وضعنا؟ وهو ما يؤشر إلى انتقال الإعلام من مهنة «تغطية الحدث» إلى محاولة «صناعته» عبر تقمص الأدوار، والتظاهر بالرعب لإظهار همجية الهجمات الجوية التي ترد بها مقاومة غزة على المحرقة الإسرائيلية في القطاع. وفي مثال آخر على الفجور الإعلامي، تطل علينا حكاية «علم تنظيم داعش» الذي زعم الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أذرعي أنه وجد ضمن مضبوطات حرَّزها جيش الاحتلال إثر هجوم المقاومة على مستوطنات غلاف غزة، وبطبيعة الحال فإن الهدف واضح من محاولة الربط بين المقاومة وتنظيم داعش، وهو تشويه الفلسطينيين، وتأليب الرأي العام العالمي ضدهم، والقول بأن المقاومة لا تشكل خطراً على إسرائيل وحدها، ولكنها تشكل خطراً على «العالم الحر» حسب التصنيف «الحضاري» للعالم بقسمته إلى «فُسطاطين:

فسطاط حرية لا عبودية فيها، وفسطاط عبودية لا حرية فيها» إذا ما استعرنا عبارات تنظيم القاعدة. ولمزيد من توسيع حالة «الدعشنة» تستمر «بي بي سي» في نهجها، وتقول عن المتظاهرين المؤيدين لغزة بأنهم متظاهرون مؤيدون لحماس، لأغراض معروفة من بينها تشويه المتظاهرين وتحريف أهداف المظاهرات، وترهيب الناس كيلا يحتجوا، دون أن نغفل عن نية مبيّتة لاختصار القضية الفلسطينية في العمل المسلح، واختصار المقاومة الفلسطينية في حماس التي صنفتها دول غربية حركة إرهابية، وبالتالي فإن أي متعاطف مع القضية الفلسطينية سيعد متعاطفاً مع الإرهاب، ويمكن أن يقع تحت طائلة القانون.

ختاماً، يمكن لنظرة سريعة على التغطيات الإعلامية الغربية للحرب على غزة أن تلحظ تجاوزات خطيرة لضوابط مهنة الإعلام، وخروجاً على المهنية، بالانحياز للجلاد ضد ضحايا يريد هذا الإعلام أن يحرمهم حتى من وصول أصواتهم إلى العالم.