آخر الاخبار

مناقشة علمية رصينة تنتهي بتتويج علاء التميمي دكتوراً في اللغة العربية بجامعة الملك سعود العليمي يرفع شكوى إلى الإدارة الامريكية ضد التحركات الانفرادية لمجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة.. عاجل انهيار شركات صرافة في مناطق الحوثيين… ملايين المودعين في مهب الإفلاس حشد سعودي ضخم في العبر والوديعة… درع الوطن يعيد انتشار قواته شرق اليمن و تخلي مواقعها في عدن ولحج وتتجه إلى حضرموت والمهرة عاجل.. مصدر في رئاسة الجمهورية: قرار عيدروس الزبيدي بتشكيل ''هيئة إفتاء'' مخالف للدستور ومرجعيات المرحلة الإنتقالية القاهرة والرياض تؤكدان مواصلة التنسيق لمواجهة التحديات ودعم الاستقرار العربي كيف تحوّل الإصلاح إلى هدف عسكري وأمني لغزوة حضرموت عاجل: المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يكشف مخططاً لضرب الحوثيين عبر عملية عسكرية برية واسعة تشارك فيها قوات جوية وبحرية.. وطهران تحذر تقرير حقوقي يفضح جرائم الإنتقالي بحضرموت: 35 حالة قتل مباشر وتصفية 7 أسرى إضافة لعمليات نهب واسعة الرئيس العليمي يضع السفير الأمريكي في صورة الأحداث بالمحافظات الشرقية وانقلاب الإنتقالي.. واشنطن تؤكد موقفها الداعم لوحدة اليمن

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
بقلم/ أ.د.عبدالوهاب العوج
نشر منذ: 3 أشهر و 3 أيام
الجمعة 12 سبتمبر-أيلول 2025 08:07 م
  

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، هي العبارة التي ينبغي أن يتخذها مجلس القيادة الرئاسي شعارًا وممارسة عملية في المرحلة الراهنة، فاليمن يعيش منذ أكثر من عشر سنوات في ظل عشرية سوداء مثقلة بالمآسي والدمار، حيث تعرض الشعب اليمني لمعاناة غير مسبوقة شملت النزوح الداخلي والخارجي، والانهيار المعيشي، وضياع هيبة الدولة في الداخل والخارج.

 

لقد كان الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران في سبتمبر 2014 محطة مفصلية، إذ سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء وبسطوا نفوذهم على مؤسسات الدولة، ومنذ ذلك التاريخ يعيش اليمن في دوامة الحرب والانقسام، وما زال هذا الانقلاب قائمًا حتى اليوم. الأمر الذي يفرض على مجلس القيادة الرئاسي والقوى السياسية والعسكرية المنضوية تحته أن تتجاوز خلافاتها، وتغلب المصلحة الوطنية العليا على المهاترات الجانبية، فالوقت لم يعد يحتمل مزيدًا من الانقسام أو الصراع الداخلي.

 

اليمن بحاجة إلى قيادة موحدة تتوجه بجدية نحو استعادة الدولة وتحرير البلاد من الميليشيات الحوثية، من خلال تفعيل الجبهة الداخلية أولًا، ثم الاستفادة من دعم الأشقاء في دول الإقليم، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى دعم الرباعية الدولية ممثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الانقسام داخل المؤسسات الشرعية يطيل أمد الصراعات ويمنح الميليشيات فرصًا إضافية لترسيخ نفوذها، كما حدث في ليبيا والسودان.

 

اليمن اليوم يعاني من توقف تصدير النفط والغاز الطبيعي، وهو ما انعكس على الاقتصاد الوطني وأفقد الدولة أهم مصادر تمويلها، بعد أن تعطلت المنشآت الاستراتيجية في النشيمة والضبة وميناء بلحاف للغاز المسال. وهذا التوقف لم يضر الاقتصاد فحسب، بل عمّق معاناة المواطنين ووسع رقعة الفقر والبطالة، إذ تشير تقارير البنك الدولي (World Bank, 2023) إلى أن أكثر من 80% من اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، وأن انكماش الاقتصاد تجاوز 50% منذ بداية الحرب. كما أكد برنامج الأغذية العالمي (WFP, 2023) أن اليمن يشهد واحدة من أكبر أزمات انعدام الأمن الغذائي في العالم، حيث يعتمد أكثر من 17 مليون شخص على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

 

تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة (UN Panel of Experts, 2024) أوضح أن سيطرة الحوثيين على الموارد المالية، بما في ذلك موانئ الحديدة وعائدات الضرائب والجمارك، ضاعفت من الأزمة، في حين بقيت الحكومة الشرعية عاجزة عن توحيد سياساتها المالية والنقدية، ما أدى إلى تعدد أسعار الصرف وانهيار العملة الوطنية وهذه الحقائق تؤكد أن استمرار الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي يفاقم من قوة الحوثيين سياسيًا واقتصاديًا، ويقوض فرص أي تسوية عادلة.

 

وإلى جانب ذلك، فإن استعادة العافية الاقتصادية لليمن لن تتحقق إلا عبر إعادة تصدير النفط والغاز بشكل عاجل، وإعادة تشغيل مصفاة عدن التي كانت القلب النابض للطاقة الوطنية لعقود طويلة، بما يسهم في تخفيف الاعتماد على الاستيراد وتوفير إيرادات للخزينة العامة. كما أن وقف الهدر في المال العام واعتماد سياسة تقشف رشيدة في الإنفاق الحكومي يعدان ضرورة لا تقل أهمية عن تحرير الأرض، إذ لم يعد مقبولًا أن تستمر النخب في استنزاف موارد الدولة المحدودة في المصالح الشخصية والامتيازات الخاصة بينما يعاني الشعب من الجوع والحرمان. إن تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفئوية داخل قيادة الشرعية هو المدخل الحقيقي لبناء الثقة الداخلية، وتوحيد الصف العسكري والسياسي، ومن ثم التفرغ للمعركة الكبرى المتمثلة في تحرير اليمن من الميليشيات الحوثية الإرهابية التابعة لإيران.

 

إلى جانب البعد السياسي والاقتصادي، لا بد من الإشارة إلى الكارثة الإنسانية التي طالت الأسر اليمنية في مختلف المحافظات، حيث تقدر تقارير اليونيسف (UNICEF, 2024) أن أكثر من 2.7 مليون طفل خارج المدارس بسبب الحرب، إما للنزوح أو لتدمير البنية التعليمية. كما أن نصف المرافق الصحية تقريبًا خرجت عن الخدمة بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO, 2023)، فيما تواجه المستشفيات العاملة نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية. وتضيف تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR, 2024) أن أكثر من 4.5 مليون يمني يعيشون في حالة نزوح داخلي، يعيش كثير منهم في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة و هذه المؤشرات تعكس حجم التدهور الإنساني الذي لا يمكن فصله عن الأزمة السياسية والعسكرية، بل يعد نتيجتها المباشرة.

 

إن الرسالة الأساسية هي أن مجلس القيادة الرئاسي مطالب بأن يكون عند مستوى المسؤولية التاريخية، وأن يدرك أن اليمنيين لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الأزمات، وأن العنوان "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ليس مجرد نص ديني بل واجب سياسي وأخلاقي يجب أن يترجم إلى قرارات حاسمة لإنهاء هذه المأساة الطويلة. الوحدة الداخلية ليست خيارًا ثانويًا بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة اليمنية، ومن دونها ستظل البلاد رهينة للمشاريع الطائفية والإقليمية التي مزقت نسيجها الاجتماعي والديمغرافي.

 

كما أن الدور الإقليمي والدولي لا يمكن أن يثمر ما لم يكن هناك موقف يمني موحد، فالتجربة العراقية واللبنانية والسورية أثبتت أن الميليشيات الموالية لإيران تتغذى على الانقسام الداخلي وتستخدمه لتعزيز نفوذها، بينما وحده التماسك السياسي والعسكري هو القادر على قلب موازين القوى.

 

لقد أصبحت مسؤولية القيادة اليمنية اليوم مضاعفة، فهي لا تتعلق فقط بإدارة أزمة سياسية أو حرب عسكرية، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإحياء الأمل في إمكانية استعادة اليمن لوضعه الطبيعي كدولة مستقلة ذات سيادة، وهذا لن يتحقق إلا إذا جسد مجلس القيادة الرئاسي فعليًا مضمون الحديث الشريف "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".