النورسي والمقرمي: تجديد الإيمان ومنهج العقل في مواجهة المادة
بقلم/ يوسف الدعاس
نشر منذ: شهرين و 10 أيام
السبت 29 نوفمبر-تشرين الثاني 2025 12:46 م

المقدمة: القرآن.. النبع الذي لا يجف

طالما بقي القرآن الكريم غضًا طريًا بين أيدينا، فهو يظل مصباح النور الذي لا يخبو، ونبع الإشعاع الروحي الذي يهدي الحائرين. إن ظاهرة التجديد الدائم هي صفة أصيلة في هذا الدين، وهي التي تستدعي ظهور أئمة ومجددين على مر العصور، يقومون بالاستنباط العميق وتقديم التراث الفكري والروحي بصورة نقية، مصداقًا لقوله تعالى : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ).

وفي هذا السياق التجديدي، تبرز ملامح التشابه المدهشة بين قطبين من رواد الفكر الإسلامي الحديث: الشيخ سعيد النورسي والشيخ محمد المقرمي.

  الجذور المشتركة: الذكاء الفطري والبيئة المربية

قد يفصل الزمان والمكان بين الشيخين، لكنهما يلتقيان في منشأ يحمل الخصوبة والعمق. فكلاهما نشأ في قرية ريفية متدينة (الأول في تركيا والثاني في بيئته باليمن )، وكلاهما وهبه الله ذكاءً حادًا وعقلية فذة تنبئ عن قدرة فريدة على الاستنباط والتحليل. هذه البداية المتشابهة هي التي شكلت أرضية خصبة لمشاريعهما الفكرية لاحقًا.

  نذر الحياة: دعوة الإيمان ومنهجية القرآن

لقد كرس كل شيخ حياته لغاية عليا في مواجهة تحديات عصره:

• الشيخ النورسي نذر نفسه للدعوة إلى حقائق الإيمان الراسخة في مواجهة المد الفكري والعلماني الطاغي.

• الشيخ المقرمي نذر نفسه لاكتشاف الحقائق الروحية، وتفنيد الفلسفات العقائدية المعقدة، معيدًا كل حكم عقائدي إلى مستنبطه الأول: القرآن الكريم، ومضيفًا اجتهادات معتبرة تمثل بصمته الخاصة.

  سلاح العقل والروح: الإقناع والتهذيب

يُشكل المنهج العقلي نقطة التقاء محورية بينهما، فكلاهما آمن بأن الإيمان يُقدم بالحجة الدامغة:

1. المنهج العقلي: استخدم الشيخ النورسي المنهج العقلي بقوة في إقامة الحجة والإقناع، وهو ذات الأسلوب الذي طبع خطابات ومواعظ الشيخ محمد المقرمي.

2. تهذيب الروح: والأهم، هو اشتراكهما في الدعوة إلى التهذيب الروحي والنفسي كخط دفاع رئيسي أمام طغيان المادة المفرط. إن دعوتهما إلى الأخلاق الإسلامية ليست مجرد تكميل، بل هي أساس لاستقامة الفرد والمجتمع.

الخاتمة: تجديد مستمر

في النورسي والمقرمي نرى نموذجين للمجدد الذي يجمع بين العقلانية الراقية والروحانية النقية. كلاهما يمثل امتدادًا حيًا لفكرة الاستنباط، ويؤكد أن إشعاع القرآن لا يزال قادرًا على إضاءة دروب الحائرين، متى وجدت العقول الفذة التي تستنبط نوره.