الانفصال المستحيل
بقلم/ عمار التام
نشر منذ: 7 أشهر و 12 يوماً
السبت 27 ديسمبر-كانون الأول 2025 07:33 م
   

لم يعد مشروع انفصال جنوب اليمن اليوم خيارا واقعيا متاحا في ظل التحولات العميقة التي تضرب الأمن الإقليمي والنظام الدولي.

 

 البيئة السياسية الحالية تميل إلى إدارة النزاعات وتجميدها، ومنع ولادة كيانات جديدة، بعيدا عن تحقيق سيادة كاملة.

 

 هذا لا ينفي عدالة القضية الجنوبية، لكنه يضعها أمام ميزان واقعي يفرق بين الحق السياسي وإمكانية تحويله إلى مشروع قابل للحياة.

 

على المستوى الدولي، يظل الموقف ثابتا تجاه وحدة اليمن وأمنه واستقراره، باعتباره ركيزة لأمن الملاحة والطاقة والتوازن الإقليمي.

 

 أي تفكيك جديد لن ينتج دولا مستقلة، بل فراغات سيادية قابلة للاختراق، ولن تكون سوى دول وظيفية خارج طموحاتها الذاتية.

 

 في هذا الإطار، يحظى التوجه السعودي لخفض التصعيد بتأييد عربي ودولي، بوصفه مسارا يقدم الاستقرار على المغامرة، ويمنع الانزلاق إلى مواجهات داخلية جديدة، خصوصا بعد تحركات المجلس الانتقالي الأخيرة وما رافقها من توتر سياسي وأمني.

 

إقليميا تبرز حساسية الشريط الحدودي السعودي العماني مع اليمن، الممتد عبر حضرموت والمهرة، سببا آخر في استبعاد خيار الانفصال.

 

 هذه الجغرافيا لا تحتمل تحركات غير منسقة أو فرض وقائع بالقوة، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على أمن الحدود والاستقرار الإقليمي، ومن هنا جاء الرفض الواضح لأي تحركات يقوم بها المجلس الانتقالي في هذه المناطق.

 

ويأتي اجتماع مجلس الدفاع الوطني أمس برئاسة الدكتور رشاد العليمي ليؤكد من موقعه الدستوري وبصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، حق الدولة وواجبها في حماية المدنيين وتطبيع الأوضاع في حضرموت والمهرة.

 

 مع توجيه دعوة واضحة لدول التحالف لاستخدام القوة العسكرية لمنع فرض الوقائع بالقوة، وضبط أي تحركات مسلحة خارجة عن إطار الدولة، بما يحفظ الأمن والاستقرار والمركز القانوني للدولة.

 

في الداخل اليمني، يظل تمرد الكهنوت السلالي الزيدي الحوثي الخطر الأكبر الذي يهدد كل المناطق اليمنية.

 

هذا المشروع ليس مجرد صراع سياسي داخلي، بل تهديد عقائدي توسعي وجودي ذو امتدادات إقليمية، يجعل أي حديث عن التفكيك أو الانفصال خطوة نحو تمكين الحوثي وفرضه على جغرافيا الشمال.

 

إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في التناقض بين الخطاب والممارسة، إذ ترفع شعارات مواجهة الحوثي باجتياح المحافظات الشرقية، بينما الوقائع تكشف سلوكًا يناقض هذه الشعارات.

 

خلال معركة تحرير البيضاء الأخيرة ، برز دور قيادات عسكرية تتبع الانتقالي وهما العميد مختار النوبي والعميد صالح السيد في ممارسات أثارت تساؤلات حول جدية خطاب مواجهة الحوثي، بما في ذلك احتجاز مقاتلين ومصادرة أسلحة واحتجاز جرحى وتجريدهم من أسلحتهم.

 

هذه الوقائع تقوض الثقة، وتكشف أن بعض الشعارات المرفوعة لا تجد ترجمتها في الميدان، ما يجعل الحديث عن الحسم العسكري من المحافظات الشرقية أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى مشروع وطني حقيقي.

 

كما أن الخطاب الديني التكفيري المرافق للتحركات الأخيرة للانتقالي أظهر خطر فوضى التوظيف السياسي للورقة الدينية إلى حد استباحة الدماء المعصومة ، وكما ذكر الصحفي الحضرمي صبري بن مخاشن أن الحضارم لن ينسوا من كفرهم وضللهم، هذا الخطاب مؤشر على ضعف النضج السياسي للانتقالي الذي يسوق نفسه ممثلا وحيدا للقضية الجنوبية.

 

كما يزداد المشهد تعقيدا مع حضور جناح الضاحية الجنوبية السلالي الإيراني داخل المجلس الانتقالي، ما أساء للقضية الجنوبية وحولها إلى ورقة تستثمر في صراعات إقليمية، بدلا من أن تكون قضية سياسية عادلة تنطلق من دوافع ذاتية بحتة.

 

في ظل هذا الاختراق، يصبح أي مشروع انفصال عبئا جيوسياسيا على الإقليم، ويفقد الجنوب التعاطف والدعم الذي يمكن أن يحظى به ضمن إطار نضالي واضح.

 

في مغامرته الأخيرة تحرك اللواء عيدروس الزبيدي بدعم إماراتي نحو تعزيز نفوذ الانتقالي في شرق وجنوب اليمن، بما يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية الإماراتية التي لم تعد خافية على أحد.

 

 وكشفت قنوات فرنسية وإسرائيلية أنه سعى لإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل، يأتي هذا في سياق اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مؤخرا بدولة صومال لاند ، ما يعكس توجها استراتيجيا لتقسيم دول منطقة القرن الإفريقي والخليج وهو ما يرفضه الجميع.

 

رغم ذلك، تبقى عدالة القضية الجنوبية حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها، وقد جرى الاعتراف بها ضمن مخرجات الحوار الوطني واتفاق الرياض، بوصفها مدخلا لمعالجة المظالم تحت مظلة الدولة القائمة على الشراكة والتوازن.

 

لكن هذه العدالة لا تتحقق بالمغامرات أو فرض الوقائع بالقوة، بل بتصحيح المسار وضبط السلوك السياسي وتقليص هامش الانتهازية والدلال التي شجعت المجلس الانتقالي على التحركات الأخيرة.

 

في المحصلة، أصبح مشروع الانفصال بعيدا، لأنه يتعارض مع موقف عربي ودولي ثابت يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويتصادم مع أولوية إقليمية ترفض الفوضى على حدودها، ويتناقض مع واقع يمني يواجه أخطر مشروع كهنوتي سلالي مسلح في تاريخه الحديث.

 

 التحرك الواقعي اليوم لا يمر عبر التفكيك والمغامرات غير المحسوبة العواقب ، بل عبر تحييد الاختراقات السلالية واستعادة معنى الدولة، وبناء شراكة يمنية إقليمية جادة تُسقط مشروع الحوثي أولا .

 

 أما القفز نحو الانفصال في ظل هذه المعطيات ، فليس إلا قفزا في المجهول، يدفع ثمنه الجنوب واليمن والمنطقة بأسرها.

مشاهدة المزيد