قرارات رئيس الجمهورية… أرضية دستورية لمواجهة مخاطر تقويض بنية الدولة
بقلم/ علي محمود يامن
نشر منذ: شهر و 11 يوماً
الجمعة 02 يناير-كانون الثاني 2026 09:20 م
 

تشكل المحافظة على وحدة الدولة وسيادتها وأمنها واستقرارها جوهر المسؤولية الوطنية والدستورية والأخلاقية لأي قيادة سياسية، وتمثل القاعدة الصلبة التي يقوم عليها وجود الدولة ومشروعها الوطني. وأي إخلال أو تفريط في حماية المركز القانوني والسيادي للدولة لا يُعد مجرد فشل إداري أو قصور سياسي، بل يرقى في المنظور الدستوري والوطني إلى مصاف الخيانة الوطنية العظمى، بوصفها أخطر الجرائم التي تهدد كيان الدولة ووجودها.

وفي السياق الوطني الراهن تأتي القرارات الرئاسية الأخيرة في لحظة وطنية حرجة، تتسم بتعقيد التحديات وتشابك المخاطر الوجودية التي تواجه الدولة اليمنية، وتراجع فاعلية بعض البنى المؤسسية، وتزايد الحاجة إلى قرار سيادي حاسم يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة وسلطتها الشرعية. وفي هذا السياق، يبرز دور رئيس الجمهورية باعتباره المسؤول الدستوري الأول عن صيانة الثوابت الوطنية وحماية الشرعية الدستورية وضمان استمرارية الدولة.

 

وهو ما اكدته القرارات الرئاسية

التي تعكس ممارسة واعية للمسؤولية الدستورية والأخلاقية الملقاة على عاتق القيادة الشرعية، وتؤكد التزامها التاريخي بحماية وحدة البلاد وسيادتها، وتفعيل أدوات الدولة في مواجهة التحديات. كما أسهمت في تعزيز المشروعية الوطنية للسلطة الشرعية، وإعادة تموضعها كلاعب فاعل ومؤثر في الفضاء الوطني، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وطبيعة الصراع على الدولة.

ولقد أحدثت القرارات الرئاسية صدىً إيجابيًا واسعًا، وحظيت بتأييد سياسي واجتماعي ملحوظ، لكونها استجابت لحاجة وطنية ملحة، وعكست تطلع القوى السياسية والاجتماعية إلى دور قيادي حاسم يعيد توحيد الإرادة الوطنية. كما أسهمت في استنهاض الطاقات الوطنية، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، وتهيئة الأرضية لتوحيد القوى الوطنية والعسكرية والأمنية تحت قيادة شرعية واحدة، بما يعزز من فاعلية المعركة الوطنية لاستعادة الدولة.

 

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن القرارات الرئاسية تمثل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة وبناء السلطة الشرعية على أسس دستورية صلبة، وتؤشر إلى انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة المبادرة والفعل السيادي. كما تعكس إدراك القيادة الشرعية لحساسية المنعطف التاريخي الذي تمر به الجمهورية اليمنية، وما يفرضه من قرارات شجاعة ومسؤولة توازي حجم التحديات، وتحفظ للدولة هيبتها، وتؤسس لمسار وطني جامع في هذا الظرف التاريخي الحاسم من تاريخ اليمن المعاصر

  

وتعد المخاطر التي تشهدها الدولة اليمنية صراعًا مركزيًا على السيادة والشرعية في ظل استمرار الانقلاب على النظام الجمهوري، وما ترتّب عليه من تآكل مؤسسات الدولة واختلال منظومة الأمن والاستقرار. وفي هذا السياق، تكتسب محافظتا حضرموت والمهرة أهمية استراتيجية خاصة نظرًا لموقعهما الجغرافي، وامتدادهما الساحلي، وارتباطهما بالأمن القومي والاقتصاد الوطني، إضافة إلى كونهما جزءًا لا يتجزأ من إقليم الدولة اليمنية الواحدة.

وبناء على تلك الأهمية المحورية فان بسط نفوذ الدولة وتعزيز سيطرة القوات التي تعمل بتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية في حضرموت والمهرة ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة، وهو شرط جوهري

 

لتعزيز وحدة القرار العسكري والأمني ومنع تعدد مراكز القوة، وحماية الأمن الوطني ومنع تحوّل المحافظتين إلى مناطق فراغ أمني أو نفوذ غير مشروع،

وتأمين الحدود والمنافذ البرية والبحرية بما يحدّ من التهديدات العابرة للحدود.

   

ويستند بسط نفوذ الدولة في المحافظتين إلى:

الدستور اليمني النافذ الذي يؤكد وحدة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها وتحقيق مركزية

الشرعية الدستورية الممثلة في القيادة السياسية والعسكرية العليا ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي وتحقيق أهم مبادئ سيادة الدولة

من خلال احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة، باعتباره من مرتكزات القانون العام وبناء الدولة الحديثة.
وعليه، فإن أي وجود مسلح أو أمني خارج إطار مؤسسات الدولة يُعدّ مخالفًا للنظام الدستوري والقانوني، ويشكّل تهديدًا مباشرًا للمركز القانوني للدولة.

   

وان ترسيخ سلطة الدولة في حضرموت والمهرة لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل:

 

إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة المدنية والإدارية، وتهيئة بيئة مستقرة لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري،

وتمكين الدولة من تنفيذ برامج التنمية الشاملة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية،

وبناء وتطوير البُنى التحتية والخدمية، بما يلبّي احتياجات المجتمع المحلي ويعزّز الثقة بين الدولة والمواطن.

 

وبتالي فان وجود قوى محلية أو إقليمية تسعى لإضعاف سلطة الدولة المركزية من خلال السيطرة العسكرية لمليشيات لا تخضع لسلطات القائد الأعلى للقوات المسلحة وما يصاحب ذالك من

حملات التضليل الإعلامي التي تستهدف تشويه دور القوات الحكومية بما يساهم في توسيع هشاشة الوضع الاقتصادي الذي يوثر بدوره على الاستقرار المجتمعي.

 

وهو ما يحتم على السلطة الشرعية بسط نفوذ الدولة في محافظتي حضرموت والمهرة والذي يُعدّ مصلحة وطنية عليا وخيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه للحفاظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، وتحقيق السيادة الوطنية بمفهومها الشامل. كما يشكّل هذا التوجه حجر الزاوية في الحفاظ على النظام الجمهوري ومواجهة المشاريع الانقلابية، ويمثل القاعدة الصلبة لأي مشروع بناء حضاري وتنموي مستقبلي من خلال الاستمرار في تعزيز حضور مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وفق إطار قانوني واضح.

ودعم المسار التنموي والخدمي بالتوازي مع المسار الأمني.

وتفعيل الخطاب القانوني والإعلامي لشرح شرعية وإلزامية بسط نفوذ الدولة.

وإشراك السلطات المحلية والمجتمع في دعم استقرار المحافظتين تحت مظلة الدولة

   

وفي ضوء مفاهيم الجغرافيا السياسية والأمن الإقليمي، يبرز اليمن بوصفه ساحة تماس استراتيجي مباشر مع الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، حيث لا يمكن فصل استقرار اليمن أو تفككه عن معادلة الأمن الوطني السعودي. هذا الارتباط ليس طارئًا أو تكتيكيًا، بل هو تداخل وجودي تحكمه الجغرافيا المشتركة، والتاريخ المتداخل، والبنية الاجتماعية المتشابكة، والمصالح الاقتصادية، والاعتبارات السياسية والأمنية بعيدة المدى.

 

وعليه، فإن اليمن يشكّل العمق الاستراتيجي الجنوبي للمملكة، كما تشكّل المملكة الضامن الرئيسي لاستقرار اليمن ومنع انزلاقه إلى فراغ أمني يُهدد الإقليم بأكمله.

وفي ذات السياق يُعد الأمن القومي للمملكة العربية السعودية الركيزة الأولى والمرتكز المحوري للأمن القومي اليمني، وجودًا وعدمًا. ويأتي بعد ذلك ارتباط اليمن بسلطنة عُمان، من حيث الاعتبارات الجغرافية والأمنية والإقليمية، وبدرجة أقل من حيث التأثير المباشر.

أما في البعد العربي الأوسع، فتظل جمهورية مصر العربية فاعلًا استراتيجيًا مؤثرًا بحكم موقعها ودورها في معادلات الأمن القومي العربي، لاسيما ما يتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار اليمني والإقليمي.

وهو ما تدركه قيادة المملكة العربية السعودية اذ تدير أمنها القومي بعقل استراتيجي يتسم بطول النفس، والتدرج المدروس، والتأني في اتخاذ القرار، دون التفريط في أدوات الردع أو التهاون في حماية المصالح العليا للدولة. ويقوم هذا النهج على مبدأ واضح: تجنّب الصدام ما أمكن، مع الحسم الصارم والفوري عند بلوغ التهديد حدودًا تمس جوهر الأمن القومي أو تخلّ بتوازن الإقليم.

 

وعليه، فإن أي قراءة قاصرة لسياسات المملكة، أو استخفاف بقدراتها وإرادتها في مواجهة المخاطر، يُعد سوء تقدير استراتيجي جسيم، يحمل في طياته تداعيات واسعة النطاق على الأطراف المتورطة في إنتاج التهديد أو تغذيته.

   

وتأسيسا على ذلك فان المملكة تبني تحالفاتها على أسس الثقة المتبادلة، ووحدة الأهداف، والالتزام بالسياق الاستراتيجي العام للأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار، تشكّلت الشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن حدود التعاون العسكري والتقني والاحترافي، وبما يخدم أهداف التحالف العربي في دعم الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن.

 

إلا أن تطور سلوك الإمارات في إدارة الملف اليمني، وتحوّله من شراكة عملياتية إلى دور سياسي مستقل، أفضى إلى تجاوز الإطار الاستراتيجي المتفق عليه، واستثمار الثقل العسكري والدبلوماسي السعودي في بناء شبكات نفوذ وتحالفات تتناقض مع أولويات المملكة، وتقوّض بعض ركائز الشرعية اليمنية.

 

كما شمل ذلك دعم وتشكيل قوى عسكرية خارج منظومة الدولة، لا تنسجم مع متطلبات السيادة اليمنية ولا مع مقتضيات الأمن القومي العربي، الأمر الذي خلق اختلالات ميدانية وسياسية ذات أبعاد استراتيجية.

   

ولقد أدركت قيادة المملكة هذه الاختلالات في مرحلة مبكرة، غير أنها تعاملت معها بسياسة الاحتواء والصبر الاستراتيجي. ومع بلوغ تلك الممارسات مستوى تجاوز فيه الخطوط المرتبطة بالأمن القومي السعودي واستقرار اليمن، تدخلت الرياض بفاعلية لإعادة ضبط المسار، واستعادة التوازن، ومنع انزلاق الملف اليمني نحو مسارات تهدد وحدة الدولة اليمنية أو تُضعف العمق الاستراتيجي للمملكة.

   

وأنه من المؤكد لأي قارئ للتاريخ او متخصص في علم الاستراتيجيات يدرك تماما أن اليمن سيبقى جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، وأن إدارة الملف اليمني لا يمكن أن تنجح خارج هذا الإدراك الاستراتيجي. كما يثبت أن المملكة، رغم اعتمادها سياسة النفس الطويل، لا تتردد في الانتقال إلى الفعل الحاسم متى ما فُرض عليها ذلك دفاعًا عن أمنها القومي واستقرار الإقليم وحفظ الأمن والسلم الدوليين.