من إحراق مؤسسة الشموع إلى اقتحام صحيفة عدن الغد
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: أسبوع و 6 أيام و 21 ساعة
الأحد 01 فبراير-شباط 2026 07:57 م

كيف مهّد الخطاب المناطقي الطريق لاستهداف الصحافة ؟

 

منذ نهايات عام 2015 وما بعدها، لم نكن نواجه خصمًا واحدًا، بل كنا نعيش في مناخٍ عامٍّ من التحريض الممنهج، شارك فيه الجميع بدرجات متفاوتة، دون استثناء يُذكر.

يومها قلنا بوضوح: إن التحريض المناطقي سيفٌ ذو حدّين، وأن من يرفعه اليوم ضد غيره، سيراه غدًا مصلتًا على عنقه. لم تكن نبوءة، بل قراءة لتجارب التاريخ وسلوك المجتمعات حين تُستثار غرائزها بدل عقولها.

 

في عدن، لم يكن الاعتداء حدثًا عابرًا، بل نمطًا.

كان معدل الاعتداء علينا شهريًا:

من تفجيرات، إلى اقتحامات، إلى اعتقالات، إلى ابتزازٍ شبه يومي تمارسه أطقم مسلحة ذاهبة وآتية، بلا رادع ولا مساءلة.

 

حتى القوة التي كانت تمسك سنترال المدينة الخضراء لم تكن خارج هذا السياق.

كان الابتزاز يتم بأبسط وأكثر الطرق وقاحة:

إطفاء السنترال، وإيقاف خدمة الهاتف الأرضي والإنترنت عن أكثر من خمسة آلاف مشترك.

وحين نسأل عن السبب، يأتي الرد ببرود:

 

«هاتوا حق الديزل نشغله».

 

نقول:

 

«طيب الكهرباء شغالة… ليش مطفئين السنترال؟»

فيرد:

«كيف نشغله وما فيش ديزل؟ لو طفى بيتعطل».

 

ثم تُختصر الدولة كلها في جملة واحدة:

 

«المطلوب قيمة برميل ديزل… مائة ألف».

 

تجد نفسك مضطرًا للدفع، لا لأنك مقتنع، بل لأن الناس رهائن.

 

وفي آخر الليل، يأتيك طقم مسلح تابع للحزام.

تخرج لتعرف المطلوب، فيأخذك قائد الطقم جانبًا، ويقول بنبرة من يظن أنه يمنّ عليك:

 

«يا عم سيف، اليوم كان في اجتماع أمني، وكانوا يقولوا الصحيفة هذه خطر على الجنوب… ونحن دافعنا عنك».

ترد: «مشكورين، الله يبارك فيكم».

فيكمل:

«بس الإطارات حق الطقم راحت… نشتّي قيمة إطارين».

تسأل: «كم؟»

«مائة وخمسين ألف».

 

تدفع…

وتنتهي من طقم، ليأتيك آخر، هذه المرة بربطة عنق لا بسلاح.

 

يأتيك صاحب صحيفة محسوبة على الانتقالي، يقول:

 

«نشتّي نطبع».

تقول: «تفضل، ادفع قيمة الطباعة».

فيرد:

«نحن ندافع عن القضية الجنوبية، وندافع عنكم، ولا كانوا طردوكم».

 

تسأل:

 

«إيش المطلوب؟»

«اطبع لنا الصحيفة دعم للجنوب».

تحاول:

«طيب أدفع نصف القيمة».

فيرد:

«ما معنا… طفرانين».

 

وتطبع.

لا عن قناعة… بل عن إنهاك.

 

كانت أشكال الابتزاز لا تُحصى، ولا تخطر على بال أحد لم يعش تلك المرحلة.

وحين انساق بعض الزملاء في صحيفة عدن الغد وراء الخطاب المناطقي، نصحناهم بصدق:

قلنا لهم إن هذا الخطاب سيرتد عليكم.

كان الرد جاهزًا وصريحًا:

 

«السوق يشتي هذا الخطاب».

 

وهنا كانت الكارثة.

حين يُختزل الضمير في السوق، تتحول الكلمة إلى أداة هدم.

 

هناك مواقف مؤلمة، من بينها موقف فتحي بن لزرق تجاهنا مع المدعو أبو همام. أترك الحديث عنها لاحقًا، لا تهربًا، بل حتى لا يُقال إننا نتشفى. فالتشفي لا يصنع عدالة، ولا يرمم خرابًا.

 

وحين أُحرقت مؤسسة الشموع، ونُهبت مطابعها، واحتُلت مبانيها، كان المشهد أكثر قسوة مما يحتمل الوصف.

لم يكن الألم في الجريمة وحدها، بل في ردود الفعل.

تعاطى كثيرون مع الخبر إحراجًا لا أكثر، وبعضهم هلّل في الخفاء.

كانوا سعداء بأن أخبار اليوم توقفت في عدن، لتُترك الساحة بلا منافس.

 

وقتها قلتها للجميع—ومنهم فتحي بن لزرق—وسأكررها اليوم دون مواربة:

ما زرعتموه من كراهية ومناطقية، ستحصدونه… ولو بعد حين.

فالمناطقية ليست خطابًا عابرًا، بل لغمًا أخلاقيًا، ينفجر في النهاية في وجه من زرعه، ومن تبناه، ومن سوّقه.

 

اليوم، ونحن نُدين الاعتداء على صحيفة عدن الغد، نفعل ذلك بوضوح ودون تردد.

لكن من الصعب—بل من غير الأمين أخلاقيًا—ألا نربط ما حدث بجذر المشكلة.

 

إنه الخطاب المناطقي،

الذي استهدف مدينة عدن،

واستهدف سكانها بكل أطيافهم،

وحاول تحويلها من مدينة جامعة إلى ساحة تصفية.

 

ومن كانت له يدٌ في زرع تلك البذرة،

سيحصد ثمرتها…

إن لم يكن اليوم،

فغدًا.