تجديد الخطاب الإسلامي في فكر العلامة المجدّد / عبد المجيد الزنداني 14-16
بقلم/ أ.د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: شهر و 7 أيام
الخميس 05 فبراير-شباط 2026 07:06 م

 خطابه الدعوي في فترة ما بعد عام ألفين. 

يمكن تقسيم هذه الفترة من عام 2000-2024 م، إلى مرحلتين، هما :

المرحلة الأولى : 11 سبتمبر 2001م، (1) وما بعدها، إلى عام 2010م.

 والمرحلة الثانية : من عام 2011- 2024م.

أولاً: خطابه الدعوي في مرحلة أحداث 11 سبتمبر 2001م إلى 2010م.

سبق القول أنّ المجدد العلامة الزنداني يرحمه الله، امتاز في كل أعماله بمنطلقات أصولية وشرعية، لا تتغير ولا تتبدل، وربما يخوض غمار الخلاف والنزاع مع أيّ طرف، أيًا كان، إذا امتلك الحق والدليل من الكتاب والسنة، ولو كان أيّ أحد من الأقارب أو الأباعد، ومن ذلك خطابه الإسلامي في مرحلة 11 سبتمبر 2001م وما تلاها من أحداث.

 وفي ليلة الثلاثاء، الحادي عشر من سبتمبر، و9.03 بتوقيت مكة ، وأثناء تداول الأخبار تلك الليلة عن هذا الحدث الأكبر الذي زلزل العالم وأقام العالم على ساقٍ واحدة، كنتُ من جلساء الشيخ تلك الليلة مع بعض الطلاب، في بيته، وكنّا نستمع في تلك الأثناء لمجريات هذا الحدث، وكان حارسُ الشيخ يأتي الشيخ ببعض الأنباء، ثم يغيب، ثم يأتي، ومع جرم الحدث وقوته وهوله، لم يغيّر الشيخ جِلسته، ولم يتلفظ بأي تصريح من شأنه التأثير عليه أو على مسيرته ودعوته السلمية، رغم أنّ الأنباء كانت تتوارد أنّ أميركا الاستعمارية آيلة للسقوط، وأنّ القيادة الأميركية اختفت، في مكان غير معلوم.(وما آفة الأخبار إلا رواتها) وكان كلما وَصَله خبر من الأخبار، قال "هذا حدثٌ له ما بعده" وكان التداول بين الشيخ وطلابه في تلك اللحظات العصيبة: "ما الحكم الشرعي لو فُرض فرضًا أنّ من قام بهذه الهجمات مسلمٌ"؟.

 فأجاب الشيخ بقوله : أنّ اللازم على الدول الإسلامية دفع الديات في الأرواح، ودفع الغرامات في الممتلكات، ويجب وجوبًا دفع كل ما خسرته الولايات المتحدة الأميركية من خسائر مادية جراء هذا العمل الإجرامي.

ومن أول لحظة كان حديث الأشياخ في تلك الجِلسة أنّ من نفذ هذه الهجمات لا يمكن إلا أن يكون دولةً – لا فردًا ولا مجموعات- تمتلك تقنيات أمنية عاليةً جدًا، ولديها الخبراء العسكريين عالميًا، وأنّ هذه الإمكانيات لا تملكها دولة إسلامية على الإطلاق، ولا تحتملها العقول المسلمة ولا الثقافة الإسلامية، وأنّ هذا الحدث لا يفعله إلا اليهود، واللوبي الصهيوني، الذي يتغلغل في كل أوردة وشرايين الولايات المتحدة الأميركية المدنية والعسكرية.

وفي هذه الفترة العصيبة أودّ أنْ أتناول بعض النقاط الصعبة والملفات الشائكة حول الشيخ الزنداني وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، المشؤوم، إنصافًا للتاريخ وللحقيقة، وهي:

  1. ما الذي رجّحه الشيخ الزنداني عن منفذي هذه الهجمات، وإلى مَن ينتمون، حتى بعد إعلان تنظيم القاعدة تبنيه للهجمات؟.
  2. هل صدرت إدانة صريحة من الشيخ الزنداني لهجمات ال 11 من سبتمبر؟ .
  3. ما هي انعكاسات هجمات ال 11 من سبتمبر على سير ومسيرة الشيخ الزنداني وجامعة الإيمان؟.
 

 فيما يتعلق بمنفذي هجمات ال 11 من سبتمبر فقد كان الشيخ الزنداني في كل أحاديثه ومحاضراته التي كنّا نسمعها عقب صلاة الظهر بمسجد الجامعة، يؤكد قولًا واحدًا، أنّ هذه الهجمات لا ينفذها إلا خبراء من الموساد أو الصهيونية العالمية، حتى وإن تبنى تنظيم القاعدة هذه الهجمات، وذلك نظرًا لاختراق تنظيم القاعدة من شتى الأجهزة الأمنية الدولية، واستدل رحمه الله بأدلة منها:

  1. غياب نحو (3000) عنصر يهودي من موظفي مركز التجارة العالمي والبنتاجون، في ذلك اليوم المشؤوم.
  2. أنّ رجل الأعمال اليهودي لاري سيلفرستين (2) وهو من عائلة يهودية، حسب موسوعة ويكيبيديا العالمية، قام بتأمين المجمع التجاري، وحصل على تأمينات مالية، تقدر ب 4.55 مليار دولار، والتأمين يعود إلى تاريخ يونيو/ حزيران 2001م، مدعيًا أنّ المجمع التجاري تعرض لهجومين مختلفين، وفي نفس يوم الهجوم كان بعيدًا عن مكتبه!!!.
 

  هذان الدليلان البارزان – وغيرهما من الأدلة- اعتمدهما الشيخ الزنداني وغيره من المراقبين لأحداث ال 11 من سبتمبر، وأنّ وراء هذه الهجمات اليهود والصهيونية العالمية، وظلّ يلقي محاضراته المطوّلة في الجامعة، لسرد الأدلة والمستجدات حول هذه الهجمات، ومفهوم أحاديثه رحمه الله: أنّ تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الهجمات، وأنّ القوم مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا، بلا وعي ولا إدراك، إلا سكرة العداء لأمريكا، وحب الظهور بأيّ ثمن، والمتهم الأوحد في هذه الهجمات هم اللوبي الصهيوني .

وهذان الدليلان يقرّبان لنا الإجابة على التساؤل الثاني وهو: هل أدان الشيخ الزنداني هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟.

فمّما سبق يتبين أنّ الشيخ رحمه الله كان يدين – في محاضراته ولقاءاته - هذه الهجمات ويعتبرها عملًا إجراميًا، ولكنه كان يرى أنّ الأدلة الجنائية غير نزيهة وغير كافية لإدانة تنظيم القاعدة، لما سبق ذكره من أدلة قوية في نظره، من أنّ المنفذ يحمل قبعة صهيونية، وأذكر مليًّا حين كنا وإياه ليلة الحادي عشر من سبتمبر في منزله بحي دارس، علّق على الحدث بقوله : "هذه الحادثة عليها توقيع الموساد، ومحال أن يفعلها معممٌ".

هذا إضافة إلى معرفته الشخصية بالجهاد ومعايشته للجهاد الأفغاني وطبيعة مجتمع طالبان البدوي، حلفاء أسامة بن لادن آنذاك، وأنّ كثيرًا من المجاهدين هم أبعد الناس عن التكنولوجيا وعن حرب الطائرات، وأنّ أحدهم بالكاد يحمل مكتبه في جيبه، في حزمة أوراق وقصاصات، ولا يكاد يحسن استخدام اللابتوب، وليس أدلّ على هذه الحقيقة من أنّ طالبان تسلّمت أفغانستان حاليًا في 31 أغسطس 2021م، بعد انسحاب الأميركان، وإلى هذه اللحظة لا تزال أفغانستان – التي آوت أسامة بن لادن وتنظيمه يومًا ما - تعاني التخلف والفوضى وعدم التطور والازدهار والتكنولوجيا، إلا من بعض المشاريع القليلة وبعضها بأثر خارجي كالمشروعات الصينية في البلاد، ولذا من المستبعد أن يخطط لمثل هذه الجريمة الإرهابية الكبرى والمعقدة تكنولوجيًا وتقنيًا، تنظيم القاعدة وحلفاؤه، وأنْ ينفذها بكل هذا الإتقان والاحتراف، فضلًا عما كشفته الأحداث بعد ذلك من اختراق الموساد والمخابرات الدولية لهذه التنظيمات المدمرة، لمجتمعات المسلمين، كما في العراق وسوريا واليمن، بقدرٍ لا يكاد يخطر على بال، حتى وصل الاختراق الأمني والفكري إلى درجة ومنصب المفتي العام للتنظيم، ولذا لا تستغرب من بعض الفتاوى المجنونة لهذه التنظيمات المخترقة على كل المستويات، كجواز السبي في عصرنا، مع انعدام الرق، وفتاوى جهاد النكاح، ونحو ذلك من الهلوسات الموسادية المدمرة.

 

     وظني أنّ هذه العوامل، الآنفة الذكر، هي التي جعلت إدانة الشيخ الزنداني لهجمات ال 11 من سبتمبر، لم تكن بصوت عالٍ، وإنما بصوت خافت، واكتفى رحمه الله بإصدار إدانة جامعته لهذه الجريمة، وإدانة مرتكبيها، أيًا كانوا ومن كانوا، وإدانة حزبه التجمع اليمني للإصلاح في أول لحظات الجريمة، وإدانة عموم اليمن رسميًا وشعبيًا، لهذه الهجمات، وهذا بالطبع حسب علمي وبحثي المتواضع، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.

        وهو موقفٌ في تقديري لعله ليس صحيحًا ولا صوابًا إعلاميًا وسياسيًا، آنذاك، ولكنه موقف شرعيٌ حقيقٌ وواجبٌ مِن علَمٍ وإمامٍ كالشيخ الزنداني، مجدد علم الإيمان، أنّى أن تستهوية هوشات الأسواق وسوق الصحافة والسخافة، فهو الموقف اللازم اتخاذه شرعًا، ولا يجوز إلقاء التهم جزافًا، إلا بمحاكمات عادلة وشفافة، من محاكم إسلامية، (وقد كان ينادي حينذاك بإنشاء محكمة عدلٍ إسلامية، للدول الإسلامية) سيما وقد تظافرت الأدلة – بعد ذلك - على أنّ وراء الأكمة ما وراءها، وقد بدت لك الأيامُ ما كنت جاهلًا، وأنّ هذه الهجمات كانت هي الراية الحمراء لغزو وتدمير عددٍ من البلدان الإسلامية، في مقدمتها العراق وأفغانستان، وأنّ رأي الشيخ الزنداني كان صوابًا وإن كان وحيدًا في صحراء قاحلة من الصحافة النزيهة والكلمة الصادقة والرأي السديد والقول الرشيد، وإن كان من خطأ لهذا الرأي الزنداني فقد كان الأولى متابعة الرأي الجمعي -رسميًا وشعبيًا - والإلتزام به، وإن خالف رأي الفرد مهمًا كان صوابًا، ومع ذلك فقد التزم الشيخ رحمه الله الرأي العام، ولم يعارضه لا سرًا ولا علنًا، في أيّ منبر من المنابر، رغم قناعته على النحو الآنف الذكر.

        هذا الموقف الزنداني - شبه الصامت- المتفرد ألّب عليه الصحافة والإعلام والحزبيات، المتربصة بالمشاريع الإسلامية، وكلّف الشيخ الزنداني كثيرًا من المعاناة، مما أثّر على مسيرة جامعته جامعة الإيمان، بعد أحداث ال 11 من سبتمبر، وأُدرج اسم الشيخ الزنداني ظلمًا وعدوانًا ضمن القائمة السوداء المشتبه بهم في تمويل الإرهاب!.

 

 وقد كان من حذاقة الرئيس علي عبد الله صالح – مشكورًا- أنه عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واتهام الشيخ الزنداني بالاشتباه في تمويل الإرهاب، كسر هذا الاتهام حين زيارته للملكة العربية السعودية في ال 24 من فبراير (شباط) عام 2006م، باصطحابه الشيخ الزنداني ومرافقته، لحضور قمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في مكة المكرمة، وقد كان هذا الاصطحاب المبارك بمثابة كرت أحمر يمني رسمي وشعبي في وجه الأميركان، والتأكيد على براءة شيخ الإيمان الزنداني من التهم الصحفية والإعلامية الأميركية.

 والحاصل أنه يمكن تلخيص آثار الحادي عشر من سبتمبر على الشيخ الزنداني ومسيرته، فيما يأتي:

  1. تجفيف المنابع الخيرية ومضايقة التبرعات لجامعة الإيمان، سيما والجامعة خيرية وأهم مورد لها هو مورد التبرعات وقليلٌ من الاستثمارات الزراعية والبنكية والتجارية.
  2. المضايقة الأمنية للطلاب الوافدين إلى اليمن من شتى أنحاء العالم.
  3. تكثيف العناصر الأمنية داخل الجامعة، وبثّ الشبهات والحزازات الحزبية والعاهات الفكرية داخل الوسط الجامعي.
  4. تغذية الأفكار المتطرفة، وإلصاق كل تهمة أو جريمة بجامعة الإيمان.
  5. تَكاثر وتطاول أعداء الجامعة، إعلاميًا وسياسيًا، وكما قيل: "تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيب".
  6. اضطر الشيخ رحمه الله – كما بلغني من أحد الأكاديميين المقيمين في تركيا- أن ينحني للعاصفة، وأن يستجيب للضغوط الرسمية إلى حد ما، من خلال دعمه لانتخابات 20 سبتمبر 2006م وترشيحه الرئيس صالح، ضد منافسه الفذ البطل / المهندس فيصل بن شملان، رحمه الله، وكأنّ الأمر فيما يبدو أنّ ثمة صفقة بين الرجلين، بالتزام الرئيس صالح حماية الجامعة، مقابل تأييد ودعم الشيخ لانتخاب الرئيس علي عبد الله صالح، بدليل أنّ الشيخ كان من معارضي انتخاب الرئيس صالح في انتخابات 23 سبتمبر 1999م، فما الذي تغيّر؟ إلا اللهم أن يكون ثمة صفقة.
 

والحاصل: بعد أن تمّ ضرب دولة أفغانستان ومطاردة تنظيم القاعدة وزعيمها في كهوف تورا بورا، والقضاء عليه في أنحاء العالم وتدميره، وإعادة تدويره وصناعته، كان الشيخ رحمه الله وسائر علماء اليمن والعالم الإسلامي، يرون أنّ الواجب هو نصرة شعب أفغانستان، لقوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير) الأنفال: ٧٢.

هذا الرأي الذي تبناه الشيخ الزنداني، وعلماء العالم الإسلامي، كان بعض أو كثير من العلماء والدعاة سيما من أقران وزملاء الشيخ، كان يرى التوقف في المسألة، وعدم استثارة الأمريكان الذين يعيشون فورة الانتقام، بعد تدمير البرجين وإصابتهم في أس سيادتهم وديارهم، ومقتل الآلاف من المدنيين، فكان الرأي اللازم غض الطرف وكتمان بعض العلم، إذا كان سيؤدي إلى فتنة، أو إثارة أو ضربة أميركية، إلا أنّ الشيخ الزنداني تبنى الرأي الأول- في محاضراته- وهو الصدع بالحق، في نصرة المستضعفين، وكان يرى أنّ طالبان سوف تُسقط النظام الرأسمالي بوجهٍ من الوجوه، كما أسقطت من قبلُ النظام الشيوعي، وتبنى الرأي الآخر كثير من الخاصة والعامة حتى جمهرة طلاب الشيخ من الدفع المتقدمة، في الجامعة، سيما وأنّ الخط الجهادي الذي سلكه الجهاديون وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ليس هو الموقف الشرعي، لا من قريب ولا بعيد، ولا تقتضيه السياسة الشرعية، ولا العقل الراجح، حتى أنني سمعت مرةً من المرات، أحد قيادات التجمع اليمني للإصلاح وهو الأستاذ / محمد عبد الله اليدومي، الذي يتبوأ فيه الشيخ الزنداني بعضوية الهيئة العليا للإصلاح ورئيس مجلس شوراه، آنذاك، قال: "لو أنّ أسامة أنفق تلك الأموال الطائلة التي أنفقها في تدمير الأبراج في واشنطن، لو أنفقها للدعوة إلى الله في أوروبا وأمريكا، لكان ذلك أنفع للإسلام والمسلمين، بدلًا من هذه التصرفات الصبيانية التي صدت عن سبيل الله والدعوة إلى الله، وأهانت المسلمين في أنحاء العالم".

وتقديري للموقفين أنهما يعبران عن نضج كبير وعن طبيعة الدعوة الإسلامية في اليمن وأنها دعوة سلمية بامتياز، ترفض العنف والصراع، و تعبر عن وجود مساحة كبيرة وواسعة من الحرية في إبداء الرأي، ومن المعيب أن أسطّر هنا رأيي الشخصي، لأنصر أحد الرأيين سيما بعد أن ذهبت تلك الأمة، وذلك الإمام الزنداني إلى ربٍ كريم، لكن من الضروري الإشارة إلى هذين الموقفين لاستلهام الدروس والعبر، وقد كشفت الأيام صوابية الموقفين، نوعًا ما، فقد أَخرجت -فعلاً- طالبانُ الأميركانَ من أفغانستان، بعد نحو 20 عامًا، وكان رأي الحياد الإيجابي في تلك الفترة عن مناصرة قضية أفغانستان صواب أيضًا، لما تحمله قضية أفغانستان طالبان، من ضبابية وفتنة، أمر حسن ، تقتضيه السياسة الشرعية، سيما مع سكرة الموقف الأميركي، وجنونه آنذاك.

وليس هذا هو الموقف الأوحد للشيخ الزنداني، يعارض فيه الشيخ الزنداني قيادته الحزبية، بل له مواقف كثيرة، تميّز خطاباته، منها :

  1. قضية إدراج اسمه ضمن قائمة المشتبه بهم في ممولي الإرهاب ، عام 2004، فقد كان رأي الشيخ هو الانتفاض في وجه هذا القرار الجائر، باعتبار أنّ نصرة المظلوم شرعٌ لازمٌ في الديانات قاطبة، من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الشيخ ينتظر أن تنتفض البلاد كلها من المشرق إلى المغرب، تنديدًا بهذا القرار الجائر، وعدم الصمت، لأنه كما قال الفقهاء في قواعدهم الأصولية : "لا ينسب لساكت قول" وبنفس القدر رأت قيادة التجمع اليمني للإصلاح، عدم إثارة جنون الأمريكان، ولفت أنظارهم، وفي الصمت حكمة، وبذل الشيخ قصارى جهده في كل خطاباته لبيان خطأ هذا التوجه الأمريكي، وأنه لا بد من البيان وأنّ الصمت تأكيد للتواطؤ عليه، فيما يبدو للعامة، وإن كان الواقع خلاف ذلك.

ثم تلا هذه المرحلة مسألة "ولاية المرأة" في حزب التجمع اليمني للإصلاح، وكانت أشبه بفتنة خلق القرآن زمن الإمام أحمد، وخرج شيخنا رحمه الله، مجددًا في كل خطاباته بالقول أنّ ولاية المرأة وتوليها أي سلطة تشريعية أو أي ولاية عامة حرامٌ حرامٌ، ويتنافى مع روح الإسلام ومع طبيعة المرأة، و أنّ المرأة التي تقضي نصف عمرها أو أكثره في الحيض والنفاس، لا تصلح للولايات السياسية العامة، وأنّ لها خصوصية لا تغيب عن كل ذي عينين، واجتهد رحمه الله، في نشر رأيه وطبع كتابه "المرأة وحقوقها السياسية في الإسلام" لتوضيح هذه المسألة، ثم صدر بعد ذلك كتاب : "ولاية المرأة في ميزان السياسة الشرعية " لشيخنا العلامة أ.د / غالب عبد الكافي القرشي، وزير الأوقاف الأسبق وعضو مجلس النواب، والأستاذ في جامعة صنعاء، ورئيس جامعة القرآن الكريم في اليمن، حفظه الله وأمدّ الله في عمره وعمله الصالح، وتساوت الكفتان علميًا، وافترقتا عمليًا وواقعيًا.

 وبعد مداولات فكرية لأشهر، تم التصويت في مؤتمر التجمع اليمني للإصلاح الرابع المنعقد في 24-26 فبراير 2007م، على دخول المرأة الاصلاحية معترك السياسة، وخوضها الانتخابات ناخبةً ومرشحةً في كل دوائر الإصلاح، ووقف الشيخ موقفًا تربويًا عظيمًا، فبعد أنْ تداول المؤتمرون القضية على مدى خمس ساعات، قال قولته : "لأن أُشق نصفين خير لي من شق عصى الجماعة".

وكما قال أبو الطيب المتنبي :

ما بقومي شرفت بل شرفوا بي   وبنفسي علوتُ لا بجدودي .

وظلّ رحمه الله ينافح في دعوته عن المنهج الرباني، على كل الصعد والمستويات، مع أحبابه وخصومه، ومع طلابه وغير طلابه، ومع القريب والبعيد، ممن وافقه وخالفه، ومع مناصريه ومحاربيه، حتى لقي الله مهاجرًا بدينه، رحمه الله، وهذا يجرنا لطبيعة خطابه في المرحلة التالية من بعد 2010م إلى 2024، ودخول اليمن ثورات الربيع العربي واجتياح الحوثيين لجامعة الإيمان ومن ثم العاصمة صنعاء ومعظم محافظات البلاد.

..................................

الهوامش:

(1) هي: مجموعة من الهجمات استهدفت الولايات المتحدة في يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001، وجرت بواسطة أربع طائرات نقل مدني تجارية، تقودها أربع فرق تابعة لتنظيم القاعدة، وُجِهت لتصطدم بأهداف محددة، وقد نجحت ثلاث منها في ذلك، بينما سقطت الرابعة بعد أن استطاع ركَّاب الطائرة السيطرة عليها من يد الخاطفين لتغيير اتجاهها، ما أدَّى إلى سقوطها وانفجارها في نطاق أراضي ولاية بنسيلفانيا. تمثلت أهداف الطائرات الثلاث في برجي مركز التجارة الدولية الواقعة في مانهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية، المعروف باسم البنتاغون، بينما لم تُحدٍّد التحريات حتى اليوم الهدف الذي كان يريد خاطفو الطائرة الرابعة ضربه.

   تسببت هذه الأحداث في مقتل 2977 شخصًا إضافة إلى 19 من إرهابيي تنظيم القاعدة المسؤولين عن خطف الطائرات، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض؛ جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة. أمر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بزيادة مستوى ديفكون إلى 3، كما أخذت الاحتياطات لزيادة مستوى ديفكون إلى 2، لكن هذا لم يحدث. ولم تفلح هذهِ الاحتياطات في صد هجمات الطائرات على البرجين ووُجهت انتقادات شديدة لمسؤوليها الأمنيين. (أنظر موسوعة ويكيبديا) .

(2) لاري سيلفرستين : (بالإنجليزية: Larry Silverstein) مواليد 30 مايو في بروكلين في سنة 1931 لعائلة يهودية، عمل في مجال العقارات جنبا إلى جنب مع والده، وأسس شركة سيلفرستين بروبرتيز. اشترى عددًا من مباني المكاتب الكبيرة في مدينة مانهاتن في أواخر السبعينات، فاز بمناقصة بناء مركز التجارة العالمي، ويمتلك ويدير أكثر من 40 ألف قدم مربع من العقارات المختلفة في مدينة نيويورك.(لاري سيلفرستين – ويكيبيديا).