عندما تغيب مخافة الله… تفسد السلطة ويضيع المجتمع
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: شهر و 25 يوماً
الأربعاء 25 فبراير-شباط 2026 11:13 م
 

ليست أزمة القيادة في بلادنا أزمة قوانينٍ أو لوائح، ولا نقص خبراتٍ أو إمكانات، بل هي قبل ذلك أزمة ضميرٍ وإيمان، وأزمة إدراكٍ لحقيقة الأمانة التي وُضعت على الأعناق. فالمسؤولية ليست موقعًا إداريًا ولا لقبًا سياسيًا، بل عهدٌ بين العبد وربه قبل أن تكون عقدًا بين الحاكم والناس.

لو أن كل مسؤول، من رأس الدولة إلى أصغر موظف فيها، استحضر أنه حين يولي على الناس من لا يخاف الله، ولا يردعه دين، ولا يعرف للحق حرمة، فإنه يحمّل نفسه وزر كل ما سيرتكبه ذلك المولّى من ظلمٍ وفسادٍ وانتهاك… لو أدرك ذلك يقينًا، لاجتنب العبث بالتعيينات، ولاستخفّ بكل ضغوط السياسة، ولخاف أن يسأل أمام الله عن دمٍ أريق، أو حقٍ ضاع، أو كرامةٍ انتهكت بسبب قرارٍ وقّعه أو سكت عنه.

تولية الفاسد مسؤوليةً، مع العلم بفساده، ليست خطأً إداريًا فحسب، بل جريمة أخلاقية ودينية، وبوابةٌ واسعة لكل انهيارٍ لاحق. فمن هنا يبدأ فساد المؤسسات، وتضيع العدالة، ويترسخ الظلم، وتنهار ثقة الناس بالدولة، ويصعد إلى الواجهة كل من لا يملك رادعًا من ضمير أو دين.

نحن في الحقيقة نعيش أزمة عقيدة قبل أن نعيش أزمة حكم. أزمة إيمانٍ بأن الله رقيب، وأن حسابه شديد، وأن العدل ليس شعارًا سياسيًا بل فريضة. فمن لا يخاف الله لا يمكن أن تستقيم مسؤوليته، ومن لا يؤمن يقينًا بأن ولايته على الناس خاضعة لشرع الله قبل قوانين البشر، فلن يرى في المنصب إلا نفوذًا، وفي الدولة إلا غنيمة.

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المسؤولين يضعون ألف حساب لمتطلبات الخارج وضغوطه، بينما تُركن متطلبات العدل وحقوق الناس وتعاليم الدين في زاوية مهملة. والأسوأ أن هذا الخلل لم يعد سياسيًا فقط، بل امتد إلى المجال التربوي والدعوي؛ فصار التذكير بالحق خافتًا، والإنكار على الفساد موسميًا، والخطاب الأخلاقي أسير حسابات اللحظة.

وهنا يتشكل الفراغ الأخطر:

فراغ في التذكير بتقوى الله،

وفراغ في تربية الأجيال على القيم،

وفراغ في حضور العلماء والمربين بوصفهم ضميرًا حيًا للأمة لا صدى للسلطة أو السياسة.

هذا الفراغ هو الذي يصنع نتائجنا المؤلمة:

فسادٌ في التعيينات،

هشاشةٌ في المؤسسات،

تراجعٌ في العدالة،

واتساعٌ لمساحات الفوضى، حتى يصبح صعود الفاسدين واللصوص وقطاع الطرق إلى مواقع التأثير أمرًا طبيعيًا في بيئةٍ غاب عنها الرادع الإيماني قبل القانوني.

فالدولة التي لا يحكمها ضمير، لا يحميها قانون.

والسلطة التي لا يضبطها خوفٌ من الله، لا يردعها نصٌ ولا نظام.

 

إن إصلاح الحكم لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بإحياء معنى الأمانة في النفوس، واستعادة مركزية مخافة الله في القرار، وبناء الضمير قبل بناء المؤسسات. حين يخاف المسؤول ربه، لن يسلّم رقاب الناس لظالم، ولن يقدّم رضا البشر على رضا الله، ولن يبرّر الفساد باسم السياسة أو المصلحة.

أما إذا استمر هذا الفراغ الإيماني، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها: نغيّر العناوين، وتتبدل المواقع، لكن النتيجة تبقى واحدة…

سلطة بلا ضمير، ومجتمع يدفع الثمن.

والله المستعان.