سباعياتٌ في فقه الاعتصام
بقلم/ أ.د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: شهر و 12 يوماً
الأربعاء 04 مارس - آذار 2026 11:30 م
  

الاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة، والعصمة المنع في كلام العرب، والعاصم المانع، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة، ومنه قوله تعالى: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) [يوسف: 32] "تاج العروس: 33/101". وهذا هو المعنى الصحيح للاعتصام أي مطلق الامتناع بالله تعالى. "الجاسوس على القاموس: 645."

وشرعًا الاعتصام هُوَ الِامْتِنَاع بِطَاعَتِهِ عز وجل، من كل مَا يخَاف عَاجلا، وآجلا، قال تعالى: {وَأَخْلصُوا دينهم لله} "تفسير السمعاني: 1/495".

ويكون الاعتصام بالله، كما ورد في هدي الكتاب العزيز، في السباعية الآتية:

١) أن يعتصم المسلم بالله وحده وينس من سواه، قال تعالى : {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }. أي ممتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، وقيل الاعتصام بالقرآن، وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة..وفيه حث في الإلتجاء إلى الله في دفع شر الكفار و معنى : (فقد هدي إلى صراط مستقيم) أي طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة، وفي وصف الصراط بالاستقامة رد على ما ادعاه الكفار من العوج. "فتح البيان في مقاصد القرآن : 2/300" .

 والمعنى أيضًا أنَ ومن يستمسك بدين الله وكتابه ورسوله، فقد حصل له الهدى إلى الصراط المستقيم لا محالة، كما تقول إذا جئت فلانا فقد أفلحت. " تفسير المراغي : 4/16".

٢) الاعتصام بحبل الله وهو كتابه وهدي نبيه، ففيهما الهدى من كل ضلال والرشد من كل زيغ، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) . آل عمران : 103. و‌الاعتصامُ بِحَبل الله هُوَ تَرْكُ الفُرْقَةِ واتّبَاعُ القرآنِ، وإيَّاه أَرَادَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ بقوله: عَلَيْكُم بحبْل الله فإِنَّه كتاب الله. "تهذيب اللغة : 5/51".

٣) عند التنازع والاختلاط، يعتصم المسلم برأي السواد الأعظم من أهل العلم والفقه والتجربة، وفي الحديث: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((‌عليكم ‌بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.

٤) يُعتصم- عند الشدائد والملمات- برأي فقهاء التنزيل لا فقهاء التأويل، لأنّ فقهاء التأويل حجة في معاني الألفاظ لا في وقائع الأحوال.

٥) معظم الفتاوى تحتاج إلى رأي خبير لا إلى رأي فقيه، فيقدّم رأي الخبير على رأي الفقيه، في المسائل الواقعة، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). سورة النحل الآية : 43. ويعتنى برأي الفقيه في دلالات الألفاظ ومعانيها واستنباطها، وأما تنزيلها على الوقائع والأحوال والمتغيرات، فلا بد في تنزيلها من رأي خبير، كمسائل الأهلة والشهادات، فتنزيلها يحتاج إلى قاضٍ، ومسائل الحروب إلى خبراء الحروب، وقل ذلك كذلك في مسائل الاقتصاد والسياسة والإعلام، على نحو ما بينه شيخ الإسلام وتلميذه بن القيم في مؤلفاتهما.

٦) في قضايا الأمة الكبرى وقراراتها المصيرية يجب الالتزام بما وصل إليه الإجماع العام أو شبهه، ولا يلتفت إلى غير الإجماع، لأنه يلزم من ذلك التنازع وذهاب الريح، قال تعالى في سورة النساء الآية 115.: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115). فيه دليل على أنّ الإجماع حجةٌ لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة لأنّ الله تعالى جمع بين اتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول. " تفسير النسفي : 1/396.

٧) في الآراء الشائكة يعتصم برأي الإمام أو نائبه، لأنّ رأيه يرفع الخلاف. كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. فحكم الحاكم ‌يرفع ‌الخلاف. "تحفة الناظر : ص152".

والحمد لله رب العالمين.