الدراما الرمضانية في اليمن بين ..النجاح والإخفاق
بقلم/ لبنى القدسي
نشر منذ: شهر و يومين
الأحد 15 مارس - آذار 2026 12:02 ص
 

للعام الثالث على التوالي، أجد نفسي مدفوعة بشغف المتابعة لتدوين قراءتي الخاصة حول المشهد الدرامي الرمضاني في اليمن. لا أدّعي احتراف النقد، لكنني متابعة جيدة وفخورة بهذا التطور الملحوظ الذي نشهده عاماً بعد آخر، والذي يثبت أن الفن اليمني يمتلك إمكانات هائلة إذا ما وُظِّفت بالشكل الصحيح.

شهد هذا الموسم بروز أعمال شكّلت علامة فارقة وفرضت نفسها بقوة؛ فمسلسلا "الضايعة " على (قناة المهرية)، و**"الزوجة السابعة"** على (قناة السعيدة)، قدّما نقلة نوعية في بنية الدراما اليمنية، يليهما في الترتيب مسلسل "لصوص العمارة " و**"مدرسة المشاغلين"** على (قناة يمن شباب).

في "الضايعة " استطاع المخرج ياسر الظاهري تقديم عمل فني متميز بجدارة، أثبت من خلاله قدرتنا على المنافسة عربياً، بدءاً من زوايا التصوير المبتكرة وصولاً إلى واقعية الأحداث التي لم تشتّت ذهن المشاهد، بل جعلته يتابع التطورات بشغف. وكان التكامل واضحاً بين المخرج والممثلين وطاقم العمل، مما أخرج تلك المشاهد بروعة ومصداقية عالية.

أما الكاتب محمد صالح الحبيشي، فقد كان مبدعاً في صياغة سيناريو قوي ومتماسك، تتخلله حبكة درامية محكمة ومشوّقة اعتمدت على تصاعد الأحداث، مما أبقى المشاهد في حالة ترقب حتى النهاية. جسّد الحبيشي المعاناة والأمل بكلمات لامست الوجدان، وغاص في تفاصيل قضايا مجتمعية غاية في الأهمية.

كان في البداية مشهد "قاعة المحاضرات " وطرد الدكتور للطالبة "شمس " رسالة عميقة وصلت بوضوح؛ فالجامعة منبر للحرية ومكان لتعلّم الدفاع عن الحق بلا خوف.

كما أن تطرقه لموضوعات الانفصال وضحاياه من الأطفال، والغربة، والخذلان، والطعن من الخلف، وقضايا دور الأيتام، واللقطاء، وغيرها من القضايا الأسرية، كلها ملفات تم تناولها بعمق وكشف المستور عنها. وهذا هو جوهر الفن: تعرية العادات السلبية والسعي لإيجاد الحلول.

لقد تألق نجوم المسلسل، وأتقن كل ممثل دوره بكل أحاسيسه ومصداقيته دون تكلف، حتى شعرنا أنهم لم يمثلوا الأدوار بل عاشوها.

ومن نجوم التمثيل: حسن الجماعي، عبدالله يحيى إبراهيم، بكار باشراحيل، محمد قحطان، كمال طماح، رويدا ربيح، توفيق المأخذي، وياسمين ياقوت .

كما برز من الشباب: أصيل حزام، مسار محمد، رندا شرف الحمادي، رغد المالكي، عبد الخالق الصيت، وكل مشارك في المسلسل؛ إذ أعطى الجميع انطباعاً بوجود روح متجددة ومستقبل إبداعي واعد.

أما "الزوجة السابعة " فقد نجح في تسليط الضوء على قضايا اجتماعية شائكة بقالب كوميدي وواقعي جميل، ورغم تحفظنا على حصر المسؤولية في المرأة أحياناً، إلا أنه يظل انطلاقة ذكية للتركيز على الظواهر المجتمعية بروح متجددة.

ويُعد المسلسل نقلة نوعية ورؤية فنية جميلة أبدع فيها الكاتب مختار القدسي والكاتب خليل العامري والمخرج وليد العلفي، وتألق فيه النجوم فتحـية إبراهيم، صالح العولقي، وتوفيق المأخذي.

وبقدر شغفي لمشاهدة مسلسل "ملوك اليمن "، إلا أن النتيجة كانت مخيبة للتوقعات؛ إذ خلق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي فجوة بين العمل والمشاهد، كما شعرت بأنني أمام "حكواتي أطفال ".

وأعترف أنني توقفت عند الحلقات الأولى، لذا لا أقدّم تقييماً كاملاً للعمل، لكن يبدو أننا لا نزال بحاجة إلى خطوات أكثر ثباتاً قبل الخوض في الإنتاج التاريخي الضخم، ومن الأجدى تسخير تلك الإمكانات لمعالجة القضايا التي تلامس الهمّ اليومي للمواطن.

وأرى أن قناة "يمن شباب " تميزت هذا الموسم بمسلسل "لصوص العمارة " الذي تألق فيه الفنان الكبير آدم سيف، إلى جانب سالي حمادة و صلاح الوافي، وكذلك مسلسل "مدرسة المشاغلين " الذي كان هادفاً وموفقاً في كشف بعض القضايا الأسرية وقضايا الشباب بشفافية، وكان الأقرب إلى واقعهم، وقد تألق فيه الممثلون الشباب والمواهب الصاعدة.

وفيما يخص "دروب المرجلة "، فرغم الإمكانات المرصودة، وقع العمل في فخ الإطالة والمطّ في الأحداث، مما أصاب المتابع بشيء من الفتور، رغم نبل القضايا التي طُرحت في هذا الجزء، مثل زواج الشغار، والمخدرات، وتجنيد الأطفال؛ لكن الأحداث افتقدت عنصر التشويق وجذب انتباه المشاهد بشكل أكبر.

وأعتقد أنه حان الوقت لتقديم رؤى جديدة في الدراما البدوية تبتعد عن استنساخ أجزاء أخرى من "دروب المرجلة ".

ختاماً، الدراما ليست مجرد تسلية، بل هي مرآة تعكس قضايا الناس، وتنتصر للحق، وتخلق وعياً إيجابياً تجاه قضايا المجتمع. والدراما اليمنية تستحق الدعم لتنافس بقوة في المحافل العربية.

تحية لكل الجنود المجهولين خلف الكاميرات، وللممثلين الذين جسّدوا الشخصيات بأحاسيسهم؛ فنحن أمام روح متجددة تبشر بمستقبل درامي مشرق.

وتبقى الانتقادات الفنية لأصحاب الاختصاص.