الخارجية اليمنية بين مقتضيات المعركة وحسابات التعيين
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: شهر و 21 يوماً
الجمعة 24 يوليو-تموز 2026 07:03 م
 

في زمن المعارك… تحتاج الخارجية إلى مدرسة الإرياني

تحتاج المرحلة الراهنة إلى تفعيل المعركة الدبلوماسية بأعلى وتيرة ممكنة، وفتح مسارات سياسية متوازية لا تقل أهمية عن المسارات العسكرية. فالحروب الكبرى لا تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل تُحسم كذلك في العواصم المؤثرة، وفي المؤسسات الدولية، وفي القدرة على بناء المواقف والتحالفات وحماية المركز القانوني للدولة.

 

واليمن اليوم بحاجة إلى شخصية دبلوماسية تقترب في حضورها وخبرتها من مدرسة الدكتور عبدالكريم الإرياني؛ شخصية تقرأ تعقيدات الواقع، وتفهم تقاطعات المصالح، وتملك القدرة على تمثيل جميع مكونات الشرعية وأحزابها وقواها الوطنية، دون أن تتحول الوزارة إلى امتداد لفصيل أو واجهة لمكون بعينه.

 

نحن أمام مشهد بالغ التعقيد، يتداخل فيه ملف مكافحة الإرهاب مع محاولات توظيفه لتقويض الشرعية نفسها، وتتقاطع فيه مصالح دول إقليمية ودولية أصبحت صاحبة نفوذ وتأثير غير مسبوقين في المشهد اليمني سياسيًا وجغرافيًا وعسكريًا. وهذا الواقع لا يحتاج إلى إدارة بروتوكولية للعلاقات الخارجية، بل إلى عقل سياسي صلب يخوض معارك المصالح المتشابكة، ويعيد تثبيت اليمن باعتباره دولة صاحبة سيادة، لا ملفًا مفتوحًا على طاولات الآخرين.

 

وزارة الخارجية في هذه المرحلة ليست منصبًا تشريفيًا، ولا بوابة للمجاملات الدولية، بل جبهة موازية لجبهة وزارة الدفاع. إنها الجبهة المكلفة بحماية سيادة البلاد من التدخلات السياسية، وصيانة مركزها القانوني، وإغلاق النوافذ التي قد تمنح الانقلابيين والمتمردين أي مشروعية أو قدرة على مخاطبة الخارج بوصفهم أطرافًا موازية للدولة.

 

نحن بحاجة إلى خارجية ترفض تدجين السياسة اليمنية وتحويلها إلى ساحة للتناقضات الإقليمية، وترفض أن ترعى بعض الدول مليشيات إرهابية، بينما تتولى دول أخرى حماية مكونات مسلحة متمردة على مؤسسات الدولة.

 

نحتاج إلى خارجية تتحول إلى خط دفاع متقدم عن جغرافيا اليمن، وحدوده البرية والبحرية، وسيادة أجوائه، وتواجه كل انتهاك باعتباره مساسًا بالدولة، لا حادثة عابرة يمكن احتواؤها بالصمت أو البيانات الباهتة.

 

نحتاج إلى خارجية تبني للمعركة الوطنية مداميكها السياسية، وتخلق بيئة جاذبة للدعم الإقليمي والدولي، وتدافع عن الأحزاب والمنظمات والكيانات الوطنية، وتحمل مظلومية اليمنيين إلى كل منبر دولي، وتكشف للعالم حجم التدخل الإيراني وجرائم مليشياته وتداعياتها على الشعب والدولة والإقليم.

 

ونحتاج كذلك إلى خارجية تضع إطارًا واضحًا للعلاقة مع دولة الإمارات، يحفظ المصالح المشتركة دون التفريط بالسيادة، ويرفض أي تدخل يمس وحدة اليمن أو يدعم تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الغموض، بل على وضوح المصالح وحدود السيادة.

 

كما أن الخارجية مسؤولة عن رعاية مصالح المغتربين، والدفاع عن حقوقهم، ومتابعة أوضاع ملايين اليمنيين في الخارج، والنازحين والمهجرين الذين دفعتهم الحرب إلى الشتات. فالدبلوماسية التي لا تحمي الإنسان اليمني ولا تحمل قضيته إلى العالم، تفقد جزءًا جوهريًا من معناها.

 

ولست هنا في مقام الانتقاص من الدكتورة الزوبة أو من حق المرأة في تولي المناصب العامة، فالمرأة اليمنية شريك أصيل في الدولة والمجتمع، وكفاءتها لا تُقاس بجنسها. لكن الانتصار للمرأة لا يجوز أن يتحول إلى غطاء يُحجب خلفه السؤال الأهم: هل يلائم الاختيار طبيعة المرحلة وحجم المعركة؟

 

فالوطن له أولوياته، والمعركة لها شروطها، والشعب له مطالب لا تتقدم عليها اعتبارات رمزية أو رسائل شكلية. نحن أمام معركة وجود: إما أن تنتصر الجمهورية اليمنية وتستعيد سيادتها ووحدتها وقرارها، وإما أن تنزلق البلاد إلى شباك التمزق والحروب المستدامة.

 

ومن هنا تكمن فداحة الخطأ في التعيين الأخير؛ إذ لا يُقرأ، في ظل هذا الظرف المعقد، بوصفه تعزيزًا للجبهة الدبلوماسية، بل بوصفه خطوة تُفضي عمليًا إلى تحييد دور وزارة الخارجية، وإخراجها من معادلة المعركة الوطنية، وتحويل واحدة من أهم جبهات الدولة إلى منصب منزوع التأثير في لحظة لا تحتمل الفراغ ولا المجاملة !!

  
عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
ا.م.د / محمد معافى المهدلي
الحرب اليمنية.. أين نهايتها؟!
ا.م.د / محمد معافى المهدلي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
أ.د.عبدالوهاب العوج
إيران والحوثي.. معركة باب المندب
أ.د.عبدالوهاب العوج
كتابات
مشاهدة المزيد