إدلب.. 14 قتيلا بانفجار مخزن مؤقت للأسلحة ومخلفات الحرب
تطورات ميدانية متسارعة.. القوات الحكومية تضيق الخناق على الحوثيين في الجوف ومأرب وضربة جوية تستهدف قيادات بارزة في تعز
مستجدات الجوف: القوات المسلحة تواصل التقدم باتجاه ''الحزم'' وتحرر مساحات واسعة
رئيس مجلس القيادة يجتمع بسفراء الدول الراعية ويؤكد: المليشيات اختارت الحرب وعليها تحمل نتائجها
من جبهات الضالع.. وزير الدفاع يشدد على التحلي بالجاهزية العالية والضبط والربط العسكري
وصول قائد قوات درع الوطن إلى المخا ومعه تعزيزات عسكرية كبيرة
ضوء أخضر أمريكي لضرب الحوثيين وانهاء انقلابهم
القوات المسلحة تنكل بالحوثيين جنوب وشمال مأرب وتكبدهم خسائرة كبيرة
عملية عسكرية واسعة جنوب مأرب.. الجيش يضرب الحوثيين ويقتحم مواقع جديدة ويحاصر خطوط الإمداد
مأرب تشتعل.. القوات الحكومية تفتح ثغرات جديدة وتُسقط مواقع حوثية استراتيجية
بين العاشر والثاني عشر من أغسطس، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي أربع رسائل متتالية إلى سفراء الدول الراعية للعملية السياسية، والإعلام الوطني، والسلطة القضائية، ثم إلى جماعة الحوثي، أربعة مخاطَبين، لكن الرسائل بدت في جوهرها أجزاء من موقف سياسي واحد، الدولة اليمنية تريد الانتقال من موقع الدفاع والانتظار إلى موقع المبادرة، واستخدام أدواتها السياسية والإعلامية والقانونية والعسكرية في اتجاه واحد لإستعادة الدولة.
العبارة التي أطلقها العليمي أمام السفراء في الرياض كانت الأكثر وضوحاً، مرحلة الاعتداء بلا كلفة انتهت، هذه ليست مجرد عبارة حادة في لحظة تصعيد، بل تلخص حصيلة سنوات طويلة من الحرب والهدن والمبادرات، فالحكومة اليمنية قبلت، تحت الضغوطات الدولية البحث عن السلام، مفاوضات وترتيبات وهدن كثيرة، فيما استغلت مليشيات الحوثي فترات الهدنة لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، ولذلك جاء خطاب الرئيس مختلفاً هذه المرة، السلام الذي لا يحمي الدولة ولا يردع من يعتدي عليها يتحول إلى فرصة مجانية لإعادة إنتاج الحرب.
لقد جاءت الإشارة إلى استهداف ميناء المخا والمنشآت المدنية والاقتصادية، بإن الموانئ ليست مجرد مواقع على خارطة الحرب، بل هي جزء من الاقتصاد وحركة التجارة والملاحة في المنطقة، وعندما تُستهدف منشأة مدنية أو اقتصادية، أو التصعيد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب واستهداف الملاحة الدولية، والمنشآت السعودية، فإن المسألة لا تعود شأناً يمنياً ، بل تصبح اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية ما يقول إنه يريد حمايته، وهو ما جعل طلب العليمي واضحاً في جوهره، عندما خاطب سفراء الدولة الراعية للعملية السياسية اليمنية : أعطيتم السلام فرصته عبر الدولة، فأعطوا الدولة فرصة أن تحمي نفسها.
إن إهتمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي بالجبهة الإعلامية، يتفق تماما مع قرار مواجهة التصعيد الحوثي والرد على عمليات قصف الأحياء السكنية والمنشآت الاقتصادية، هذه واحدة من أكثر رسائل خطابه واقعية، فالحرب لم تعد تُحسم في الميدان وحده، فالحوثيون أدركوا مبكراً قيمة الرواية، واستثمروا في الإعلام ووسائل التواصل لملء أي فراغ تركته مؤسسات الدولة، وما لا تقوله الدولة في الوقت المناسب قد يقوله خصمها، وما لا تفككه بالوثيقة والدليل يمكن أن يتحول بالتكرار إلى رواية راسخة.
وبالنظر للأهمية الكبرى لوجود أعلام مساند للمعركة الوطنية، كانت دعوة العليمي إلى إعلام وطني يبادر ولا يكتفي بالرد، ويقدم الرواية الموثقة، وينسق بين منابره المختلفة، لمواكبة التطورات في مؤسسات الشرعية، واستعداداً للمعركة الجمهورية، تفعيل لدور الإعلام خاصة ً الإعلام الرسمي، الذي ظل مغيباً خلال الفترة الماضية، ولا أرى في ذلك دعوة إلى إلغاء التعدد الإعلامي، بل ليعرف هذا التعدد أين تتقاطع المصالح الوطنية، فالاختلاف في الرأي يمكن أن يكون قوة، لكن التشتت في مواجهة الرواية الحوثية قد يتحول إلى نقطة ضعف للشرعية.
سوف تبقى الرسالة الموجهة إلى القضاء، في رأيي الأبعد أثراً، فعندما يطالب الرئيس بتحويل اعتداءات الحوثيين إلى ملفات قانونية وقضائية مكتملة، فهو لا يتحدث عن إجراءات بيروقراطية، وإنما يفعل دور القضاء في تأسيس ذاكرة قانونية للحرب، ورسالة تطمئن المواطنين ممن يعيشون في مناطق سيطرة الانقلابيين ، بان حقوقهم مصانة وجرائم المليشيا لن تسقط بالتقادم، فالعبارة التي أكد فيها أن لا حصانة لمخرب، ولا إفلات من العقاب تضع العدالة في مكانها الصحيح داخل مشروع استعادة الدولة.
لا يمكن لليمن أن يبقى أسيراً للحرب إلى ما لا نهاية،
وسيظل السلام مطلب كل اليمنيين، لكن ليس السلام الذي يساوي بين الضحية والجلاد، فالسلام الذي يطلب من الضحايا أن ينسوا حقهم ليس سلاماً دائم ولا يؤدي إلى وطن مستقر، والتسوية التي تلغي الجرائم بدلاً من معالجتها قد توقف القتال مؤقتاً، لكنها تترك أسباب الصراع قائمة.
لقد جاءت الرسالة الرابعة، والأكثر مباشرة، موجهة إلى الحوثيين، استعرض من خلالها العليمي عناصر قوة الشرعية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، من توحيد القرار العسكري، وربط القوات بغرفة عمليات واحدة، وتعزيز مكافحة التهريب، والعمل على استعادة الموارد الاقتصادية واستئناف تصدير النفط، كلها مؤشرات واضحة تعزز حضور مؤسسات الشرعية.
إن البعد الاقتصادي ليس تفصيلًا عابراً، فاستهداف المنشآت النفطية ضرب أحد أهم مصادر إيرادات الدولة، انعكس على الرواتب والخدمات و حد من قدرة الحكومة على أداء وظائفها، لهذا فإن استعادة الموارد ليست مجرد مسألة مالية، بل جزء من استعادة القرار الوطني نفسه، في الوقت ذاتة، لم يقدّم الرئيس استعادة الدولة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل أكد على معالجة القضية الجنوبية والمظالم المتراكمة ضمن إطار سياسي وطني.
لقد ترك العليمي الباب مفتوحاً أمام الخيار السياسي، مؤكداً أن الفرصة ما تزال متاحة لإلقاء السلاح والانخراط في الحياة السياسية والتنافس عبر صناديق الاقتراع على قدم المساواة مع سائر اليمنيين، وهذه، في رأيي، ليست رسالة ضعف، بل تحديد لشروط أي سلام جاد، من يريد السياسة فليدخلها من باب السياسة، ومن يريد الدولة فعليه أن يقبل بقواعدها، أما استمرار السلاح خارج إطار الدولة، و بعيداً عن سلطات مؤسساتها، فلا يمكن أن يكون صيغة دائمة للحكم.
وهنا تظهر أهمية الرسائل الأربع مجتمعة، فالعليمي لم يضع القوة في مواجهة السياسة، ولا القانون في مواجهة المعركة، ولا الإعلام في مواجهة الدبلوماسية، بل أن استعادة الدولة تحتاج إلى هذه الأدوات كلها مجتمعة، تتحرك بالتوازي مع التحركات العسكرية الميدانية لقوات الشرعية، فالمرحلة تتطلب قوة تحمي القرار، ودبلوماسية تشرح موقف الدولة، وإعلام يخوض معركة الرواية، وقضاء يحفظ حقوق الضحايا.
والأهم أن الخطاب الرئاسي لم يضع المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين في خانة الخصومة، وأن المعركة ليست ضد صنعاء أو صعدة أو حجة، وليست ضد قبيلة بعينها أو طائفة أو منطقة، وإنما ضد الانقلاب وتحويل السلاح إلى مصدر دائم للسلطة، فاستعادة اليمن لا يمكن أن تكون مشروع انتقام من مجتمع، بل مشروع تحرير للمواطن من سلطة السلاح والظلم والجباية والإكراه.
لهذا أقرأ الرسائل الأربع بوصفها أكثر من تصريحات متفرقة، إنها محاولة لإعادة تعريف موقع الشرعية، من طرف ينتظر ما ستقوله المبادرات الخارجية إلى دولة تقول ما تريده، وتدافع عنه، وتتحمل مسؤولية قراراتها.
لكن هناك فارقاً لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج السياسة، أخطاء الدولة تُصلح داخل مشروع الدولة، أما الانقلاب فلا يصبح مشروعاً بديلاً للدولة لمجرد أن مؤسساتها تعاني من القصور، وباب السياسة يجب أن يبقى مفتوحاً لمن يترك السلاح ويقبل بالدولة، لكن باب الدولة نفسها لا ينبغي أن يبقى رهينة للسلاح.