الحديدة.. قصة التحرير الناقص

السبت 29 يونيو-حزيران 2019 الساعة 03 مساءً / مأرب برس- اخبار اليوم
عدد القراءات 3385

 


في وقتٍ ما، كانت الحديدة على بعد خطوة من التحرير الكامل في معركتها مع المسلحين الانقلابيين، إلا أن ما حدث كان مخيبًا لكل التوقعات التي خمّنت التحرير الحتمي للمدينة التي يمثل تحريرها 60% من معركة استعادة الشرعية، حسب الخبراء العسكريين. 
تلك الهالة من التفاؤلات ما لبثت أن انطفأت بمجرد إعلان إذعان وفد الشرعية إلى اتفاقية ستوكهولم التي جرى التوقيع عليها منتصف ديسمبر من العام الفائت بين الشرعية والانقلابيين برعاية مباشرة من الأمم المتحدة ومبعوثها لدى اليمن/ مارتن غريفيث، وتقضي أهم بنودها بتسليم مينائي الصليف ورأس عيسى إلى قوة "محايدة" من جانب الأمم المتحدة، ومن ثم تسليم الحوثيين لميناء الحديدة في الخطوة الثانية من الاتفاق، وهو ما لم يترجم عملياً على الأرض حتى الآن، بسبب أسلوب المراوغة والالتفاف الذي دأب عليه الحوثيون في كل اتفاقياتهم، رغم أن الاتفاق هذه المرة كان في مصلحتهم على أكثر من وجه، ومجحفًا في حق الطرف المقابل. 
إنقاذ للحوثيين 
المفارقة التي تستدعي التوقف هي إذعان وفد الشرعية لهذا الاتفاق الذي أنقذ الجماعة الانقلابية من هزيمة ماحقة، رغم أن قوات الشرعية والتحالف كانت الطرف المهيمن على مجريات المعركة، وكل المعطيات حينها كانت تشير إلى تقهقر الحوثيين وتداعي تحصيناتهم أمام تقدم القوات المشتركة التي تقودها الإمارات. 
حيت أصبحت على مسافة 24 كيلومتراً من ميناء الحديدة، قبل أن يتوقف التقدم، بضغط من الأمم المتحدة ومبعوثها لدى اليمن/ مارتن غريفث، الذي دفع في اتجاه إجهاض الخيار العسكري بالحديدة، والتلويح بمفاوضات تجمع طرفي النقيض السياسي في العاصمة السويدية ستوكهلم، انتهت بتوقع الطريفين على اتفاقية مشتركة وضعت حدًا شبه نهائي لتحرير الحديدة عسكرياً. 
في وضعٍ مثل هذا، كان التخلي عن خيار الحسم العسكري، بمقتضي اتفاق السويد مكافأة مجانية، كانت- على ما يبدو- تفوق طموحات الحوثيين الذين كانوا على شفير الهاوية. وللافت أن وفد الشرعية كان معترضا تماما لفكرة التخلي عن تحرير الحديدة من الحوثيين، إما عسكريًا أو الإذعان لتسليمها طواعية، وهو ما صرح به أكثر من عضو في وفد الشرعية قبل يوم واحد من إعلان الاتفاق مثل عسكر زعيل ومروان دماج، لكن ما لبثت المواقف أن تغيرت في اليوم التالي رأسًا على عقب!! 
كان هذا التحول المفاجئ يؤكد صحة الأنباء التي نشرتها بعض وسائل الإعلام حينها، بأن السفير السعودي مارس ضغوطًا على وفد الشرعية وحملهم على الموافقة على إمضاء الاتفاقية مع الانقلابيين الحوثيين، مُعللاً موقفه بأنها توجيهات من ولي العهد السعودي الأمير/ محمد بن سلمان، وطمأنهم أن الانقلابيين الحوثيين على استعداد أن يجنحوا للسلم، ومبينًا أن دبلوماسية بلادة سبق أن تعهدت للبريطانيين بالقبول بالاتفاقية. 
الدور البريطاني 
ما حدث في غضون مباحثات ستوكهلم ذلك وما بعده، أظهر إلى العلن الدور البريطاني السلبي في "التسوية" التي خدمت الانقلابيين وأخرجتهم من مربع الخطر وأظهرتهم كسلطة موازية للشرعية لديها الرغبة في تقديم تنازلات من أجل انقاد الموقف الذي كان زمامه بيد الشرعية والتحالف، قبل أن يؤثر قطبا التحالف (الإمارات والسعودية) مداهنة القوى العظمى، في إطار سعيهما اللاهث لنيل إيماءة الرضا من المملكة المتحدة أو من واشنطن، التي لها حساباتها السياسية والاقتصادية من رسم خارطة النفوذ في منطقة باب المندب وخليج عدن، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. 
بات واضحًا الآن أن اتفاقية ستوكهلم، لم تعد أكثر من كونها مجرد لافته فضفاضة أعطت شرعيةً لبقاء الحوثيين في الحديدة، أثبتت فشلها منذ البداية، كما كان متوقعًا، حتى أن الانقلابيين الحوثيين لم ينتظروا كثيرًا للقفز عن اتفاق وقف إطلاق النار بمدينة الحديدة في أول 18 دقيقة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وما زال مسلسل الخروقات مستمرًا حتى الآن. 
الجدير بالذكر أن المبعوث الدولي لدى اليمن/ مارتن غريفيث- وهو عرَّاب هذا الاتفاق- برر في مؤتمر صحفي له إقدام الحوثيين على خرق الاتفاق في الدقائق الأولى بالقول: إن ذلك أمر ليس ذا بال ولا يدعو للقلق، وإنه من الطبيعي حدوث مثل هذه الخروقات في مناطق الصراع، على حد قوله. 
مواقف ملتبسة

ميدانياً، كان التحالف قد أهدر الكثير من الوقت قبيل معركة الحديدة لسببين، الأول: كان نزولًا عند رغبة بعض الأطراف في التحالف- أو بمعنى أدق رغبة الإمارات- التي كانت تعوِّل على هندسة التحالفات مع القوى التقليدية لإحداث الحسم المأمول، مما جعلها تماطل في الحسم عسكريًا، والثاني: كان موقف الأمم المتحدة الذي كان يعارض بشدة الخيار العسكري في مدينة الحديدة، بمبرر الخشية من تفاقم الحالة الإنسانية وتعذر وصول المساعدات الإنسانية التي تأتي عبر ميناء الحديدة والبحر الأحمر. 
ولهذا توقفت القوات المشتركة التي تقودها الإمارات العربية المتحدة خمس مرات قبيل مفاوضات السويد، مع الإشارة أن المعركة الأخيرة كانت أكثر ضراوة واتساعًا من سابقاتها، من ناحية التسليح وحكم القوات التي حشدتها الإمارات لهذه المعركة، على نحو بدا أن صبر التحالف قد نفد وأصبح أكثر جدية وعزمًا في تحرير المدينة من الحوثيين، خصوصًا أن تلك الحركات جاءت بالتوازي مع ردود فعل دولية ساخطة من استهداف الحوثيين للرياض بصواريخ بالستية، قيل إنها إيرانية الصنع، تعضدها تصريحات مسؤولين في الرياض وواشنطن بضرورة السيطرة على ميناء الحديدة لمنع إيران من إمداد الحوثيين بالأسلحة النوعية التي تهدد أمن المملكة والخليج. 
بالتالي كان هناك المبرر الكافي للتحالف في خوض نزال حاسم مع الانقلابيين، يجعله أقل عرضة لانتقادات المجتمع الدولي، من أجل تحقيق اختراق عسكري على جماعة الحوثيين التي أصبح استمرار سيطرتها على ميناء الحديدة مقلقًا بشكل كبير لأمن المملكة، لا سيما في ظل انسداد أفق الحل السياسي مما يجعل الحل العسكري بالنسبة للسعودية ضرورة لا مفر منها. 
غير أن التحرك العسكري الذي حرصت أبوظبي على قيادته في الحديدة، تبين بعد اتفاقية ستوكهلم أن هدفه المضمر لم يكن تحرير المدينة من الحوثيين بقدر ما كان يهدف إلى تحريك المياه الراكدة ودفع الحوثيين إلى تسوية كانت معدة سلفًا بتنسيق مسبق تواطأت فيه الإمارات ومن ورائها السعودية مع رغبة المملكة المتحدة التي أكدت أكثر من مرة أنها لا تحبذ الحل العسكري في الحديدة، وكان لها الدور المحوري عن طريق مبعوثها الأممي في كبح التصعيد العسكري في الحديدة. 
برغماتية رعناء وحسابات أخرى 
إجهاض التحرك العسكري لتحرير الحديدة، يكشف- على نحو لا ريب فيه- عن الاتجاه البراغماتي الذي تسير إليه الحرب في اليمن، إذ أن القضاء على الحوثيين ليس أولوية لدى التحالف، وربما لم يكن أولوية من الأساس، وهو ما تؤكده شواهد الواقع، بدءًا من إيقاف التقدم العسكري في كثير من الجبهات الحساسة مثل جبهة نهم (شرقي صنعاء) مرورًا بتمكين الحوثيين من الحديدة وانتهاءً بخذلان انتفاضة قبائل حجور والأحجام عن تحريك القوات الحكومية بمديرية حيران لنجدتها، بينما لم يكن يفصلها عن بؤرة الاشتباكات سوى 15 كيلو متر فقط. 
كل هذا يكشف بجلاء عن توجه دولي يحظى بمباركة القوى العظمى وتماهٍ مخجل من التحالف، يفضي إلى نتيجة واحدة هي تكريس السيادة الفعلية للحوثيين على مناطق نفوذهم في شمال اليمن لاعتبارات براغماتية للأطراف التي تحرك بيادق اللعبة، حصد الحوثيون ثمارها اليانعة أضعافًا مضاعفة.
وإذا ما استطردنا قليلاً في هذه الجزئية، نجد تلك الأطراف هي نفسها، التي أرخت الحبل للحوثيين لتصفية حليفهم صالح في بداية ديسمبر من العام قبل الماضي، مفسحةً المجال لسلطتهم بالتجذر أكثر كسلطة وحيدة، تخلصت من منافسٍ يشاطرها جزءًا - لا بأس به - من سلطتها، قبل أن ينتهي المطاف إلى الخاتمة التي أرادها الحوثيون واطمأنت لها القوى العظمى الإمبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، التي لم تحبذ بقاء أي نتوءات قد تعيق أيلولة إرث الانقلاب إلى الحوثيين في مناطق نفوذهم. 
رغم أن ذلك كان من المفترض أن يعمق فعل الحوثيين هذا من عزلتهم بعد انكشافهم من أي غطائهم السياسي المتمثل بصالح وحزبه، كون الجماعة عارية من أي صفه سياسية أو مدنية، سوى أنها جماعة بسطت سلطانها بقوة السلاح والإرهاب. 
لكن ما يبعث على الاستغراب أن شيئًا من ذلك لم يحدث، إنما استمر المجتمع الدولي يتعامل مع الجماعة الانقلابية على أنها سلطة أمر واقع يجب معاملتها كسلطة رديفة للسلطة الشرعية، وهو ما يقودنا إلى استبانة ملامح السيناريو الذي يراد للبلاد أن تختم به مشهد الحرب، وهو تمكين الحوثيين في مناطق سيطرتهم وتكريس سيادتهم الفعلية عليها. 
من المستفيد من تفخيخ الوضع؟ 

 

marebpress


أما عن مصلحة تلك القوى من خلق هذا الواقع الخطر، يُعزا إلى عدة أهداف، فالسياسية الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط- والوطن العربي على وجه التحديد- قائمة في الأساس على خلق التوازنات المتنابذة (شيعية- سنية) وخلق سلام هش مرتبط بالقوى العظمى، ناهيك عن جعلها سوقًا مفتوحة لتجارة الحرب. 
وبهذا المفهوم فإن احتفاظ الحوثيين بجزء من سلطتهم وقوتهم، في خاصرة السعودية البلد الثري وثالث بلد في العالم من حيث الإنفاق العسكري وصاحب القول الفصل في منظمة أوبك، هو أمر جيد بالنسبة لواشنطن، شريطة أن لا تتعدى القوة التي بيد الحوثيين الخط المسموح به، أي أن لا تتجاوز كونها جماعة مسلحة قادرة على إلحاق الأذى بالجوار الغني، وهذا يعني مزيد من الحاجة للحماية الأميركية ومزيد من صفقات الأسلحة الخيالية، ومزيد من الرضوخ السياسي. 
العاصفة ترتد على الرياض 
الآن بعد مرور 6 أشهر من توقيع اتفاقية ستوكهلم، لم يمتثل الحوثيون للاتفاقية- التي جاءت في الأساس لإنقاذهم- والأهم من ذلك كان السبب في اختلال موازين القوى بشكل سلبي أضر بالشرعية وخدم الانقلاب أكثر مما ينبغي، أما السعودية التي حضّت- إن لم تكن أرغمت- الشرعية على الإذعان للتوقيع اتفاقية السويد، كانت أول من ذاق حنظلها على أيدي الحوثيين الذين اعتقدت- شططًا وجهلًا- أنهم سيجنحون للسلم، حيث أصبحت المطارات والمنشآت الحيوية جنوبي المملكة هدفًا شبه يومي لصواريخ الحوثيين الباليستية وطائراتهم المسيرة، في محاولة من الجماعة الانقلابية على الدفع بالمملكة إلى البحث عن تسوية للخروج من الحرب بشكل يحفظ لها ماء الوجه. 
وفي كل الأحوال، يبقى المثير للخيبة بالنسبة لقطاع كبير من اليمنيين، هو التجاوب غير المسؤول من قبل الشرعية مع بنود الاتفاق التي تجافي مصلحة اليمن والسعودية على السواء، وترجح كفة الانقلابيين الحوثيين ميدانيا وسياسيًا.