كبرى الصحف المصرية تفرد مساحة واسعة لنعي ووداع شاعر اليمن الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح

الأربعاء 30 نوفمبر-تشرين الثاني 2022 الساعة 03 مساءً / مأرب برس-متابعات
عدد القراءات 2072

افردت جريدة الأهرام المصرية مساحة واسعة لنعي ووداع الدكتور عبدالعزيز المقالح.

وفي مقال إبراهيم العشماوى بعنوان "عبد العزيز المقالح.. ضمير اليمن الثقافى كتب نعيه شعرا.. وعذبه الحزن على بلاده" قال الكاتب دفتر آخر للحزن الكبير سطره اليمنيون المتعبون بحرب تعبث ببلادهم، لوفاة الدكتور عبد العزيز المقالح، ضمير اليمن الثقافى على امتداد أكثر من نصف قرن ظل فيها المفكر والكاتب والشاعر والمعلم والأكاديمى . المقالح المولود عام 1937 واراه الثرى فى صنعاء أمس آلاف من محبيه وتلامذته بمراسم بسيطة بناء على وصيته، وضمت جثمانه النحيل بعد أن صرعه المرض والحزن، مقبرة «خزيمة الأكبر» فى العاصمة، والتى تبعد أمتارا قليلة عن مقابر شهداء مصر، معشوقته الكبرى التى فتحت ذراعيها له فى الستينيات والسبعينيات، لينطلق نحو فضاءات الأدب .

يقول الدكتور أحمد قايد الصايدي، مندوب اليمن السابق لدى منظمة الـ «يونسكو» : «قبل ما يزيد على أربعة أعوام ونصف العام أعلن الأستاذ الأكاديمى الأديب الشاعر الكبير، عبد العزيز المقالح، رغبته فى الرحيل فى قصيدة مبكية، مطلعها: أنا راحل حتما .. فما الداعى إلى تأجيل موتي؟ وكأنه كان يستعجل الرحيل، من عالم كريه لم يعد البقاء فيه يغرى العقلاء. عانى خلال الأعوام الماضية من وطأة المرض ومن قسوة الحياة فى يمن دمرته الحرب».يحفظ اليمنيون قصيدته التى يقول فيها :

فى لسانى يَمَنْ..

فى ضميرى يَمَنْ

تحتَ جِلْدى تعيشُ اليمنْ..

خلفَ جَفْنى تنامُ وتصحو اليَمَنْ.

صرتُ لا أعرفُ الفرقَ ما بينَنا..

أيُّنا يا بلادى يكونُ اليمنْ؟

يؤكد الكاتب اليمنى صالح البيضانى أن المقالح بدأ كتابة الشعر فى منتصف الخمسينيات، وترافق ذلك مع اشتغاله فى إذاعة صنعاء حيث قام بإذاعة البيان الأول لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962. وقد ساهم مبكرا فى نشر الوعى الثورى والأدبى فى اليمن، لكنّ دواوينه الشعرية وكتاباته ظلت قيد الدفاتر، ولم يهيأ لها النشر إلا بعد انتقاله إلى مصر. وتوغَّل المقالح فى المشهد الأدبى المصرى فى الوقت الذى كان يستكمل فيها دراساته الأكاديـمية حتى حصوله على شهادة الدكتوراه.

وقد شكلت فترة القاهرة التى امتدت من منتصف الستينيات من القرن العشرين إلى عام 1977 المرحلة الثانية المهمة فى تكوينه وفتحت له آفاقا جديدة نحو القراءة والكتابة والعيش فى حميمية المشهد الثقافى العربي. فقد اعترف المقالح ذات مرة بأنه يغترف من معينين اثنين هما الطفولة والقاهرة .

فى أعوامه الأخيرة، تابع المقالح أخبار الحرب فى بلاده بأسى بالغ، يرفض محاولات استقطابه أو انتزاع أيّ موقف منه لمصلحة أيّ طرف، كما لا يجهد نفسه فى نفى القصائد السياسية المنتحلة التى تنسب له بين تارة وأخرى. لكنه وعلى الرغم من صمته البليغ والمعبّر، لم يلقَ ما يستحقه من احترام المتحاربين.

لم يترك المقالح لحظة يؤكد فيها انتماءه لثورة بلاده وجمهوريتها مهما عاشت التحديات، فيقول : «جمهوريّاً جئتُ وجمهوريّاً عشتُ وجمهوريّاً سأموتْ أؤمنُ باللهِ العادلْ، وبأنَّ الناسَ سواسيةٌ فى الحبِّ سواسيةٌ فى الخبزِ سواسيةٌ فى الموتِ سواسيةٌ فى الجنَّةِ أو فى النّار».

فى قرية المقالح بمحافظة إب، وسط اليمن، كان ميلاده. وتلقى تعليمه الأول فى الكتاتيب بمدينة صنعاء، ثم التحق بدار المعلمين بصنعاء وتخرج منها عام 1960. وواصل تحصيله العلمى حتى حصل على الشهادة الجامعية عام 1970. وفى عام 1974 حاز على درجة الماجستير فى الأدب العربى عن موضوع رسالته «الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر فى اليمن»، فى جامعة عين شمس. وفى عام 1977، نال شهادة الدكتوراه عن موضوع رسالته «شعر العامية فى اليمن- دراسة تاريخية ونقدية» من الجامعة نفسها.

شغل العديد من المناصب العلمية والإدارية، من بينها عمله أستاذًا للأدب والنقد الحديث فى كلية الآداب- جامعة صنعاء، ورئيسًا لجامعة صنعاء بين عامى 1982و2001. وهو رئيس المجمع العلمى اللغوى اليمني، وعضو المجمعين اللغويين فى القاهرة ودمشق.

شاعر نبيل أحب مصر

ونشرت الاهرام مقال اخر بعنوان فى محبة شاعر نبيل أحب مصر للدكتور محمود القيعى، قال فيه برحيل الشاعر اليمنى الكبير دكتور عبد العزيز المقالح تطوى صفحة ناصعة من صفحات الشعر العربى الحديث، ويغيب أحد المبدعين الأفذاذ الذين تركوا بصمات لا تمحى. «المقالح» ظل ممسكا بقلمه الذى كان يراه سلاحا أقوى من أعتى الأسلحة، ورفض أن يغادر محبوبته «صنعاء»، التى أهدى لها ديوانه «إلى صنعاء.. مدينة الثورة والأمل»

وتساءل فى مقدمة ديوانه :

« لماذا الحزن ؟ لماذا كل الشعراء حزانى ؟

أتذكرون صاحب القروح الذى بكى واستبكى؟

ومالك بن الريب ، أتذكرون مرثيته الباكية ؟

أتذكرون أحزان المتنبى – الصخرة – التى لا تحركها الكؤوس ولا الأغاريد ؟ّ!

أتذكرون أيضا تعللات أبى العلاء؟

راهن الراحل الكبير على الأدباء الشباب ، إيمانا منه بأنهم قادرون على فرض أنفسهم بمواهبهم وثقافاتهم ، فكتب «أصوات من الزمن الجديد«، مشيدا بهم، ومشجعا لهم، ومثنيا عليهم . رغم أنه كان عضوا فى معظم المجامع اللغوية فى العالم العربى وعلى رأسها» مجمع الخالدين» فى القاهرة ، فإنه كان من أوائل الذين نبهوا إلى أهمية العامية، فكتب« شعر العامية فى اليمن».

فماذا يبقى من « المقالح »؟ وأى أثر تركه على الشعر العربى ؟ وكيف تلقى النقاد والمثقفون نبأ رحيله؟

الشاعر المجيد

الشاعر محمد عبد المعطى حجازى يصف المقالح بأنه شاعر مجيد وصديق عزيز، مذكّرا بأنه حين التقاه فى أوائل الستينيات عندما كان يقيم فى مصر بعد تغير النظام فى اليمن، قدم له بعض القصائد التى نظمها عبد العزيز فى ذلك الوقت ، وساعده فى نشرها. ويقول حجازى إنه فرح بها ، وكان دائما يشعر بالفرح حين يلقاه ، لأنه لم يكن مجرد شاعر فحسب ، بل كان مثقفا ثقافة بها كثير من الاعتراف بما قدمته مصر سواء فى الثقافة أو فى غيرها .ويضيف أن إقامته طالت فى مصر عدة سنوات، مما قوى هذه العلاقة بينى وبينه .

ويتابع حجازى :»بعد أن عاد إلى اليمن ، وانتقلت إلى فرنسا للإقامة بها، اتصل بى ليدعونى إلى ندوة نظمها لى بجامعة صنعاء التى كان رئيسا لها آنذاك ، واقترحت عليه أن يدعو أيضا صديقى العزيز الأستاذ الشاعر جمال الدين بن الشيخ، وكنت فى ذلك الوقت أعمل مع »بن الشيخ« فى قسم الدراسات العربية بجامعة باريس. ولبينا الدعوة، واحتفى بنا الدكتور عبد العزيز، وقدمنا إلى المثقفين اليمنيين، ونظّم لنا رحلة رأينا فيها اليمن «. ويلفت حجازى إلى أن أن علاقته بالمقالح استمرت حتى أواخر أيامه، مشيرا إلى أنه يشعر الآن بالألم لفقد هذا الصديق العزيز. ويختتم قائلا :«لا شك أن كل الذين عرفوه يشعرون بهذا الألم ، لأن المقالح كان إنسانا حقيقيا ، وكان شاعرا حقيقيا كذلك».

من أعلام الشعر

الناقد دكتور محمد عبد المطلب يقول إن المقالح واحد من أعلام الشعر فى هذا الزمان. ويضيف أنه قاد حركة الشعر فى اليمن بمهارة فائقة ومقدرة ليضعه فى وسط كوكبة الشعر العربي، ليربط بين القديم والجديد بمهارة لا يقدر عليها سوى المقالح، فجدد فى الفكر والأسلوب واللفظ والصور دون أن يفقد أصالته العربية ، مؤكدا أنه شاعر اجتماعى وسياسى وشاعر وطنى من الطراز الرفيع. ويواصل د. عبد المطلب قائلا :» لا أستطيع أن أنسى حبه الشديد لمصر ، فقد تعلم فيها وتربى فيها، وكان يقول لي: أكثر أيام حياتى حزنا يوم مغادرتى مصر». ويلفت إلى أنه كان يجمع فى ندوته الثقافية أعلام الفكر والنقد العربي، ليتناقشوا فى كيفية خدمة الأمة العربية فى أدبها وشعرها وفى سياستها من خلال الاتحاد.

موهبة وثقافة

برأى الناقد دكتور أحمد درويش، فإن رحيل الدكتور عبد العزيز المقالح خسارة كبيرة ، مشيرا إلى أنه واحد من أبرز الشخصيات اليمنية التى تبوأت مكانا علّيا فى الأدب العربى المعاصر. ويضيف: «المقالح واحد من الأدباء الذين جمعوا بين الموهبة والثقافة، وهو صاحب موهبة شعرية كبيرة، ونتاجه الشعرى ظل يتدفق على مدى عقود متتالية، وكان فى ذات الوقت صاحب تكوين علمى أكاديمى رفيع المستوى».ويلفت درويش إلى أن شعره تميز بجودة الإحكام الكلاسيكى، والمزج بينه وبين الحداثة، والحديث عن هموم الواقع اليمنى والعربى المتمزق، والاستعانة بالرموز اليمنية ذات المذاق الخاص: بلقيس ، وسيف ذى يزن، ووضاح اليمن، وغيرهم من أعلام اليمن البارزين فى الثقافة، حيث استطاع أن يستلهمهم مرة أخرى، مازجا فى سخرية بين الواقع والمأمول.

ويرى أن المقالح كان شاعرا موهوبا ودارسا عظيما غطى بكتاباته كثيرا من وجوه الحياة الثقافية فى العالم العربي، وكان شخصية مرموقة وشخصية عروبية يتحمس للوطن وقضاياه، ويبذل فى سبيل وحدته وشفائه من جروحه روحه وموهبته وقلمه الذى ظل ينزف حتى النهاية .

هو والبردوني!

وعن المقارنة التى تعقد أحيانا بينه وبين الشاعر اليمنى البردونى ، يقول دكتور درويش إن كليهما من كبار شعراء اليمن فى العصر الحديث، لافتا إلى أن لهما مذاقين يتشابهان تارة، ويختلفان تارة أخرى. ويضيف أن المقارنة بينهما قد تكون أقرب إلى المقارنة القديمة بين البحترى وأبى تمام ، بمعنى أن فى أحدهما الطبع والتدفق يغلب إلى حد بعيد، والثانى يضيف إلى هذا الطبع والتطبع الثقافة والحداثة ، وذلك هو اللون الذى يتميز به المقالح .

ويختتم درويش بقوله إن المقالح، إلى جانب شاعريته القوية، كانت له ثقافة قوية ومعرفة بحركات الآداب المحلية والعالمية، وتهذيب للذوق العفوى المنطلق، فى حين أن البردونى كان عفويا ولاذعا، أحيانا ينطلق لكى يقدم مذاقا أقرب ما يكون إلى الطبع، ويحمل مذاقه هذا الجماهير على الالتفاف حوله، ويظل مميزا بميزته الخاصة وطبيعته، لافتا إلى أن البردونى يضيف إلى كل هذا شخصيته ليقدم مذاقا يوازى ما قدمه المقالح، مع هذا الفرق بين الطبع والصنعة، أو بين اتجاه مدرسة أبى تمام و اتجاه مدرسة البحترى بالمعنى العام، وبالاتجاه الواسع، وكلاهما شاعر ممتع.

أما الناقد السعودى دكتور عبد الله الغذامى فيقول إن المقالح عمر زمن الثقافة العربية الحديثة إبداعاً وتأسيساً، وجعل جامعة صنعاء وجهةً ثقافيةً شاملة، ويضيف أنه حضر نشاطات الجامعة وتعرف على اليمن وتراثها وعلى الشباب اليمنى والشابات اليمنيات فى الثمانينيات، وعرض بحوثه هناك، لافتا إلى أنه لا يزال يعيش ذاكرة تلك الفترة.