حُطاب في ليل اليمن .
بقلم/ مجدي محروس
نشر منذ: 3 أسابيع و 5 أيام و 18 ساعة
الأربعاء 29 مايو 2024 05:15 م
  

حالة التداعي والاستنفار الكبيرة التي رافقت تحركات اليوتيوبر الشهير جو خطاب في رحلته الى اليمن وحجم الاحتشاد الهائل لاستقباله كما لو أن حل معظلات اليمن يمكن أن يكون على يديه ومن خلال كامرته ؛ تؤكد مدى الذهول والتيه التي وصلنا إليها بفعل الحرب الدائرة في البلاد .

 

 الاهتمام المبالغ فيه وحساسيتنا العالية تجاه شكل وطبيعة المحتوى الذي سيقدمه الرجل عنا في قناته باليوتيوب تعكس حجم التشوهات الكبيرة التي أصابتنا بها الحرب طيلة السنوات الماضية وتكشف عن وجود جرح غائر في الروح اليمنية و نزيف داخلي حاد في الوعي اليمني .

 

قلق بعض اليمنيين من إماكنية تعرف الرحالة الاردني واليوتيوبر العالمي على الجانب المظلم من تفاصيل حياتهم وخوفهم من نقل صورة سلبية عنهم يدفعهم إلى كل هذا الاسفاف والمبالغة في الاحتفاء بالرجل .

 

ما ألحقته الحرب فينا من خراب ودمار في القيم والمفاهيم والبنى العلوية والتحتية ليس بالامر السهل و لا يمكن اعادة اعماره في فترة قصيرة .  

 

 الحرب أذتنا كثيراً ، وبما يكفي لتجعلنا أكثر حساسية، وأكثر توجس فقد اصبحنا نشك بك من كل من يقترب منا ، ونخاف من نظرته لنا ، لا نمطئن لشيء ولا نثق بأحد .

 

اليمن لا تحتاج إلى رحالة كي يكتشفها ولا إلى يوتيوبر كي يقدمها للعالم مهما بلغت شهرته، فاليمن أشهر وأعرق وأقدم .

 

لليمن سفراء وممثلين في كل مكان بالعالم حتى الدول التي ليس فيها يمنيين معنا فيها سفارات وقنصليات وملحقيات وبعثات دبلوماسية و مهمة هؤلاء التعريف باليمن ونقل صورة ايجابية عنه لكن مع الأسف أن الكثير يقدم نفسه ويعرف بذاته على حساب الوطن .

 

وأياً يكن ما سيقدمه اليوتيوبر جو خطاب عن اليمن وما سينقله من صورة ايجابية سيبقى تاثيره محدوداً لا ينجاوز مواقع التواصل الاجتماعي ولا يخاطب سوى متابعيه فلا نرفع سقف أحلامنا كثيراً بهذه الزيارة.

 

ماذا يمكن أن يفعله أصلاً رحالة في حل أزمة اليمن المركبة والعويصة من خلال كامرته هو مجرد سائح يا ناس و هاوي سفر وليس مبعوثاً أممياً فلا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل .

وبالمناسبة حتى المبعوثيين الأمميين المتعاقبين علينا ماذا فعلوا لنا غير بيع الوهم وتقديم الخداع وإطالة أمد الأزمة والصراع.

 

لن يقدم اليمن غير أبنائها ولن يمثلها سوى شبابها ولن يحمل همومها وتطلعاتها غيرهم ، العالم ينظر لنا من الزاوية التي نرى فيها أنفسنا .  

 

لسنا دولة ناشئة ولا طارئة تستجدي الاعتراف بها أو تبحث عن شهرة ولا نحن دولة على هامش التاريخ وخارج جغرافيا التاثير العالمي تسعى إلى لفت الانتباه..نحن دولة حضارية ومحورية لا يمكن للعالم أن يستقر مالم نشعر نحن بالأمان والاستقرار .

 

مهما نالت الحرب منا والقت بظلالها على حاضرنا ومستقبلنا وماضينا سيبقي اليمني صاحب اقدم حضارة في التاريخ .

 

من الطبيعي أن يحاول اليمني ألا يظهر مشهواً اكثر لدى العالم وأن يحرص على ألا ينكشف اكثر ويصر أن يرى العالم الجانب الجميل و المشرق منه والوجه الاخر عنه لانه شوه بما يكفي وتم الاساءة إلى سمعته ورسمت عنه صوراً مزورة و مغايرة عما عليه الحال وتلك هي احدى الجنايات التي جنتها المليشيات بحق اليمن واليمنيين .

 

 بدون ضجيح تم تسجيل برنامج عمران الذي يقدمه الاعلامي السوداني سوار الذهب وتم النزول في عدد من المحافظات اليمنية وهو بالمناسبة من اجمل البرامج التي قدمت اليمن واعادت الاعتبار لها بكل عفوية وبساطة مع انه سلط الضوء على الجانب الانساني وصور الكفاح والنجاح رغم اوزار الحرب وتداعياتها المؤلمة .

 

مشكلتنا مع بيئة وجَو حُطاب الليل وليست مع جو خطاب أو غيره من زوار اليمن وضيوفه ولست هنا ضد الترحيب بالرحالة جو خطاب واستقباله واكرامه وتسهيل مهمته لكن يبدو أن الامر تجاوز حدود الكرم وتعدى سقف الحفاوة وصار أقرب إلى الكوميديا الرديئة والمسرحيات السخيفة بسبب حُطاب الليل ممن لا يفرقون بين الغث والسمين وبين المهم والأهم وبين ما هو في مصلحة اليمن وما هو في مصالحهم الشخصية .

 

وللاسف فإن وسائل التواصل الاجتماعي اصبحت بيئة وجواً مناسباً للكثير من حُطَاب الليل والمؤسف أنها قدمتهم لنا كنخب ورموز وناشطين في كافة المجالات وعملت على تلميعهم وتلك من أبرز عيوبها و مساوئها التي لا تغتفر .